طاهر المعتصم

هناك مدن لا تموت بالقصف وحده، وإنما تموت حين يجتاحها الإظلام الإعلامي، ويصبح وجع أهلها خبرًا عابرًا. هكذا تبدو نيالا اليوم، عاصمة ولاية جنوب دارفور، الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، حيث يدفع المدنيون كلَّ يوم ثمن حرب لم يختاروها، وثمن عجز السودانيين جميعًا عن الوصول إلى سلام عادل يعيد للدولة سلطانها، ويحفظ للناس أمنهم وكرامتهم.

في نيالا، لم تعد المأساة تقتصر على أصوات الرصاص، بل امتدت إلى المستشفيات والبيوت والشوارع. فقد أصدرت محكمة الطوارئ حكمًا بالسجن لمدة عام، مع الغرامة، بحق الدكتور إبراهيم طويل، اختصاصي النساء والتوليد، والدكتور معتز عمر، اختصاصي العظام والجراحة، بعد إصدارهما تحويلًا طبيًا لمريضة احتاجت إلى العلاج في منطقة تقع تحت سيطرة الجيش. أي زمن هذا الذي يصبح فيه الطبيب متهمًا لأنه انحاز إلى حياة مريضته قبل أن ينحاز إلى خطوط التماس؟

وفي المدينة نفسها، اختُطفت فتاة من أمام منزل أسرتها، في واقعة تعكس حجم الانفلات الأمني الذي يعيشه المدنيون، وتؤكد أن الخوف لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

حين يُسجن طبيبان لأنهما أدّيا واجبهما المهني، وحين تُختطف فتاة من أمام منزلها، فإن القضية لم تعد مجرد تجاوزات أمنية، بل أصبحت دليلًا على انهيار منظومة الحماية التي يفترض أن توفرها السلطة المسيطرة على الأرض. وتبقى المسؤولية المباشرة هنا على عاتق قوات الدعم السريع، بوصفها الجهة التي تفرض سيطرتها على المدينة، وتتحمل واجب حماية المدنيين وصون حقوقهم الأساسية.

لكن الحقيقة المؤلمة أن المسؤولية لا تتوقف عند هذا الحد. فقادة الجيش، والقوى السياسية، والنخب السودانية، وكل من امتلك قرار الحرب أو أخفق في صناعة السلام، يتحملون أيضًا نصيبهم من هذه المأساة. لقد أصبح الجميع مسؤولين، بدرجات متفاوتة، عمّا يحدث في نيالا وفي غيرها من مدن السودان.

سيكتب التاريخ أن السودان لم يخسر مدنه بالحرب وحدها، وإنما خسرها أيضًا لأن السلام تأخر كثيرًا. وسيكتب أن نيالا لم تكن مجرد مدينة تحت سيطرة قوة مسلحة، بل كانت امتحانًا لإنسانيتنا جميعًا، أخفقنا فيه حين تركنا الأطباء يواجهون السجون، والنساء يواجهن الخوف، والمرضى يواجهون مصيرهم وحدهم. فالأوطان لا تُقاس بعدد البنادق، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان. وما لم نصل إلى سلام عادل ينهي الحرب، ويُنهي تعدد الجيوش والميليشيات، ويعيد السلاح إلى يد الدولة وحدها، فإن نيالا لن تكون آخر المدن التي نستمع منها إلى وجع السودان.

آخر قولي السلام... انتصارٌ للسودان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...