محمد الأمين عبد النبي
في الوقت الذي يندفع فيه العالم بسرعة مذهلة نحو الأمام، مستفيدًا من الذكاء الاصطناعي، يجد السودان نفسه مدفوعًا بقوة السلاح نحو غياهب الماضي، في ارتداد قسري. وإن أخطر ما في هذه الحرب هو انتقال الصراع إلى ميدان الوعي، واستهداف الإنسانيات السودانية، ومحو قيم التفرّد التي ميّزت شعبنا عبر التاريخ.
في هذه الحرب، تحوّل الإعلام، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، من وسيط ينقل الواقع ويبحث عن الحقيقة إلى أداة تصنع الواقع وتوجّهه. فالمعركة اليوم لم تعد معركة وقائع، بقدر ما أصبحت معركة تغيير مفاهيم؛ فالأحزاب التي كانت تقود المشهد باتت اليوم تُقاد إعلاميًا عبر فضاء افتراضي يفرض السرديات بالتكرار والانتشار، لا بالحجة والإقناع. كما تحوّلت القوة الناعمة وفي مقدمتها الإعلام، من أداة للجذب وبناء المشتركات إلى وسيلة للإكراه وتشويه الآخر، وتجريده من إنسانيته، وإلغائه.
وإذا أعدنا قراءة المشهد، سنجد أن معادلة الإعلام قد اختلت بنيويًا؛ إذ تراجع التأثير الحقيقي لصالح الانتشار المنفلت. ففي عصر الخوارزميات، أصبح التركيز منصبًا على كثافة الضجيج الرقمي، مما فتح الباب لإنتاج وعي زائف، وتغذية خطابات الكراهية والعنصرية. ووسط هذه السيولة، تلاشت الحدود بين مفاهيم النصر والهزيمة، وأصبح التضليل ونشر الأخبار المزيّفة تحديًا يوميًا، لا يهدف إلا إلى كسب صكوك الولاء داخل معسكري الحرب.
وقد شلّت هذه السطوة الإعلامية إرادة صناعة القرار؛ فأصيبت حكومات الأمر الواقع، ومعظم الساسة بمختلف معسكراتهم، بفوبيا الإعلام والهلع من الحملات الإلكترونية. وبدلًا من قيادة الشارع بالرؤى والخطط، أصبح الساسة يركضون خلف التريند استرضاءً للمنصات، واتقاءً لغضب افتراضي، حتى بات الناس والساسة معًا "على دين إعلامهم".
وبالتأكيد، في مقابل هذا التجريف وطوفان العبث الذي يقوده صناع التفاهة، وُلدت جبهة إعلامية مقاومة، تضم صحفيين وكتّابًا ومؤسسات مستقلة. وهؤلاء هم حراس الوعي الذين انبروا، بمسؤولية، للتصدي لاغتيال الحقيقة؛ فأسسوا منصات رصينة، وفككوا الأكاذيب بالتحقيقات الموثقة، مشكلين خط الدفاع عن العقل السوداني في مواجهة التزييف.
إن تنقية الوعي السوداني من الزيف والقبح، هي أولى خطوات وقف الحرب. والتعامل الأمثل مع الإعلام في هذه المرحلة يتطلب بوصلة وطنية هادية، تنتقل من الاستلاب والتلقي إلى الفاعلية المسؤولة. الجمهور بحاجة إلى إعلام راشد، لا ينحاز إلى أيٍّ من طرفي الحرب؛ إعلام يضع الوطن أولًا، ويعيد الاعتبار للعمل المدني على حساب أمراء الحرب، ويكون صدىً لأنين الضحايا، لا لأزيز الرصاص.
ولتحقيق ذلك، ينبغي على القبيلة الإعلامية الالتزام بخارطة طريق مسؤولة، تتلخص في الآتي:
أولًا: تفكيك الأخبار المفبركة والمضللة التي يبثها الذباب الإلكتروني، وإتاحة الحقيقة للجمهور بلغة بسيطة وواضحة.
ثانيًا: محاصرة الإشاعات بتقديم البديل المعلوماتي الموثق، لقطع الطريق أمام حملات الاستقطاب.
ثالثاً: محاربة خطاب الكراهية من خلال إنتاج محتوىً بديل يرسِّخ السلم الاجتماعي، ويبرز مبادرات التكافل والتعايش.
رابعاً: أنسنة التغطية الإعلامية، بنقل التركيز من خرائط التقدم العسكري العبثية إلى قصص المعاناة الإنسانية، وحماية الأرواح، وإيصال صوت المدنيين.
خامسًا: قيادة المشهد الإعلامي برزانة، والكف عن ملاحقة التريند، والتحول إلى صناع رأي مؤثرين يمنحون الفاعلين المدنيين والمبادرات السلمية المساحة اللازمة لكسر احتكار البندقية للمشهد العام.
سادسًا: تنظيم العملية الإعلامية الداعمة لوقف الحرب، عبر خطاب موجه إلى الخارج يضغط على طرفي الحرب وداعميهما، وخطاب آخر موجه إلى الداخل يرسّخ رفض استمرار الحرب، ويعزز إرادة السلام.
سابعًا: تبني خطاب معرفي يرتقي إلى حجم التحديات والتهديدات التي تواجه الوطن، ولا سيما مشروع التقسيم، والعمل على رفع الوعي بمخاطره.
ختامًا، إن إنقاذ العقل السوداني من التضليل والتوحش هو الخطوة الضرورية لإسكات صوت المدافع، واستعادة الوطن من براثن الحرب إلى رحاب السلام.




التعليقات (0)
جاري التحميل...