حتى لا... ننسى

د. منى الفاضل

manoiaalfadil18@gmail.com

 

اجتمعت القوى الاستعمارية قبل طردها من القارة السمراء بعد نضال شعوبها من أجل الحرية، ووضعت خارطة للقارة ورسمت حدودًا جغرافية بين دولها وفق مصالحها لا وفق حقائق التاريخ والجغرافيا، حتى أنه -كما يُحكى- قد أصابتهم الحيرة في أية دولة يكون هذا النهر وإلى أية دولة بتبع ذلك الجبل! وهذا إن دلً إنما يدُل على أنهم لم يضعوا أدنى اعتبار بأن في هذه الدول بشرًا يعرفون أرضهم وطبيعتها وسهولها وهضابها وأنهارها كما يعرفون أسماءهم، فهم المالكون لتلك الأراضي، بكُل بساطة.

والأكثر غرابة، أن المستعمر لم ينظر إلى شعوب إفريقيا باعتبارها أممًا لها إرادتها، بل تعامل معها وكأنها جزء من ممتلكاته، وأنها مُجرد آلات وهو من يملكها، وما زالت آثار ذلك الإرث باقية في كثير من الأزمات والنزاعات التي تعانيها القارة، بالرغم من أن شعوبها قدمت تضحيات جسامًا حتى تنال استقلالها وسجل التاريخ نضالها الوطني بأحرف من نور.

والسودان من بين الدول التي انتفضت دون المرة مرتين ضد المستعمر، الأولى ضد الاستعمار التركي العثماني، وأخرى ضد الحكم البريطاني. في الأولى تصدت لهم الثورة المهدية التي أخبرت العالم بأن السودانيين ليسوا بقليلين! وسجلوا بصمتهم بالقوة والشجاعة، وعلموا الجميع كيف يُمكن لشعب أن يكون وطنيًا ويرفض القهر والظلم ويرفض السيطرة عليه، وأنه شعب حُرٌّ.

لقد وحَّدت الثورة المهدية السودانيين تحت راية وطنية واحدة، فكانت نقطة الانطلاق نحو قيام السودان الحديث الذي نعرفه اليوم. وأرست، ببساطة الإمام المهدي وفطرته السياسية، نظامًا للحكم أقرب إلى اللامركزية أو الفيدرالية، من غير أن يستند ذلك إلى دراسات أكاديمية أو نظريات سياسية متخصصة، كما تفعل اليوم الدول الكبرى في سعيها إلى تطوير نظمها الإدارية. ومع ذلك، سبق السودان هذه التجارب بفضل الثورة المهدية.

إلا أن هناك من خان الوطن والشعب بوقوفه ضد المهدية وفضل مصالحه الخاصة على مصلحة الوطن، مع المستعمر والدول التي تتبع له، وهي مُستعمَرَة سلفًا لكنها ذيل تابع! أولئك الخونة ما زالوا يقفون في نفس المكان الذي وقف فيه آباؤهم وأجدادهم الذين خانوا الوطن من قبل، وما زالوا يُنفذون خارطة المُستعمر لحدودنا كما رسمها لهم؛ دون التفكير في البشر الذين يمتلكون ويعيشون في هذه الحدود، وذلك إن دلً إنما يدُلُ على أن وجودنا لا يعني شيئًا... ظنهم أنهم من يملكون الثروات إلا أنها مُخزنة في أراضينا؛ وبالتالي لا تعنيهم حياتنا أو فناؤنا في شيء. وما إفراغ القارة من مجتمعاتها بدفْعِ شعوبها للهجرة، وإشعال بؤر الصرعات والحروبات باستمرار، والسودان بحربه الحالية التي نعيشها قبل ثلاث سنوات وأكثر، خير مثال، إلا خطوات في سبيل الهيمنة عليها.

إنَّ الحديث عن تقسيم السودان لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مجرد مزحة يتداولها بعض البسطاء، بل هو مشروع تغذيه النزعات العنصرية البغيضة التي جرى تأجيجها والتخطيط لها عبر عقود طويلة. ولا يزال ضعاف النفوس، ممن جعلوا السلطة غايتهم ومكاسب الدنيا همَّهم، يستغلون هذه الانقسامات بوسائل رخيصة لتحقيق مصالحهم الشخصية، وهم لا يدركون أنهم ليسوا سوى أدوات تُستخدم لإبقاء السودان غارقًا في أزماته، بعيدًا عن التنمية والاستقرار.

فقيام دولة قوية ومتطورة يعني استثمار مواردها وثرواتها لصالح شعبها، وهو ما لا يخدم مصالح القوى التي تستفيد من استمرار ضعف البلاد وتخلفها، لذلك تُغذَّى أسباب الفرقة والصراع، بينما تمضي تلك القوى في تعزيز تقدمها وتحقيق مصالحها.

وفي المقابل، يظن بعض الأغبياء المتشبثين بالسلطة أنهم أصحاب قوة ودهاء، وأنهم سينعمون بخيرات البلاد بعد أن يُنهك الوطن ويُهجَّر أبناؤه. غير أنهم في الحقيقة لا يعدون كونهم أدوات تُحرَّك وفق مصالح غيرهم، يُوجَّهون كما تُحرَّك قطع الشطرنج، أو الخاتم بالإصبع، ويُستغلون لتحقيق أهداف لا تخدم السودان ولا شعبه، ويبثون غباءهم وسط بسطاء لا يعلمون شيئًا.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تُروَّج هذه الأفكار بين عامة الناس حتى يظن بعضهم أنها نابعة من قناعاته الخاصة، بينما هي في حقيقتها أفكار صُنعت وغُذِّيت لخدمة مصالح ضيقة وطموحات شخصية، غير آبهة بما يجره ذلك من ويلات على الوطن والمواطن، وكأن هلاك الشعب وتشريده أمر لا يعنيهم ما دامت مصالحهم الخاصة مصونة.

بعد كل تلك الحقائق، لم يتبق لنا كشعب إلا أن نعي لأنفسنا ونُفكر فقط في الحفاظ على أنفسنا وأرواحنا باستبسال كما فعل جدودنا من قبل؛ وأورثونا كرامة وشجاعة ووطنية... لعب بها من لعب وباعها من باع؛ حتى يعيش في دعة ونعمة كما قالوا بموت الثلثين وعيش الثلث، وهُنا تم تفسير هذه المقولة المأثورة من أقوالهم... وجميعنا كسودانيين نعلم من القائل؟

ودُمُتُم...

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...