بقلم: عمر النعيم

يمر السودان اليوم بواحدة من أعقد لحظاته: صراع مسلح ممتد، وغياب شبه تام لأي إطار دستوري مستقر، وانعدام واضح لخطط التنمية بعيدة المدى، سواء العشرية منها أو الربع قرنية. والأدهى من ذلك أنه حتى الخطط الإسعافية "قصيرة المدى"، تلك التي يُفترض أن تسدّ الفجوة في غياب التخطيط الاستراتيجي، غابت هي الأخرى عن كثير من القطاعات الحيوية. غير أن هناك ملفًا واحدًا لا يحتمل الانتظار حتى تستقر السياسة أو تُكتب الدساتير: توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه؛ مصادرها، ومنابعها، وصيانتها الدورية.

فالمياه ليست ترفًا تنمويًا يُؤجَّل إلى ما بعد الحرب، بل هي شرط البقاء اليومي لملايين السودانيين، ومدخل مباشر للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. ومع ذلك، لا تزال إدارتها في كثير من المناطق تدور في حلقة مفرغة من الاستجابة الآنية العاجلة، بدل أن تتحول إلى منظومة صيانة واستدامة.

أرقام تكشف حجم الأزمة

تشير بيانات برنامج الرصد المشترك لمنظمتي الصحة العالمية واليونيسف، إلى أن تغطية إمدادات المياه على المستوى الوطني في السودان لا تتجاوز نحو (60) بالمئة، وأن نحو (17.3) مليون سوداني لا يحصلون على خدمة مياه شرب أساسية ويظلّون عرضة للأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة،[1] بينما يفتقر نحو (24) مليون شخص لمرافق صرف صحي ملائمة [1]. أما في الأرياف، فإن (53) بالمئة فقط من الأسر تصل إلى مصدر مياه محسّن خلال أقل من نصف ساعة سيرًا، فيما يضطر آخرون لقطع مسافات أبعد أو للاعتماد على مصادر غير آمنة كالحفائر المكشوفة[2]. والأخطر أن نحو ربع نقاط المياه في البلاد خارج الخدمة فعليًا، [2] وأن ولايات من بينها: النيل الأزرق والقضارف والبحر الأحمر، تُسجّل من أدنى المعدلات وطنيًا،[2] وهي مفارقة مؤلمة في منطقة كمنطقة النيل الأزرق، الغنية بمواردها المائية الطبيعية قياسًا بمناطق أخرى من البلاد.

وقد فاقمت الحرب الدائرة منذ إبريل 2023 هذا الواقع الهش؛ إذ وثّقت اليونيسف استهدافًا متكررًا لمحطات معالجة المياه وشبكاتها، من الخرطوم إلى ولايات أخرى، وهو ما أسهم في تفشي الكوليرا التي سجّلت موجات متتالية، بلغ عدد حالاتها المشتبهة أكثر من (57) ألف حالة ونحو (1534) وفاة عبر (12) ولاية بحلول مارس2025 [3]، كان بعضها نتيجة مباشرة لانقطاع الكهرباء عن محطات ضخِّ المياه بعد استهداف محطات الطاقة [4].

نموذج الدالي والمزموم: خطأ يتكرر عبر الحكومات

لكن المشكلة الأعمق ليست في الحرب وحدها، بل في نمط إدارة متكرر سبقها بسنوات طويلة. فمناطق مثل الدالي والمزموم تقدّم نموذجًا صارخًا لهذا الخلل: تتكرر أزمة العطش موسمًا بعد موسم، وحكومة بعد أخرى، دون أن يُعالَج السبب الجذري. الجهات المختصة تكتفي عادة ببرنامج إسعافي قصير النظر عند اشتداد الأزمة، سرعان ما تتلاشى آثاره، بينما تظل حفائر المياه بلا تكحيل دوري، وتمديدات المجاري بلا متابعة أو نظافة، بل يشهد بعضها تعديًا مباشرًا عليها. وفي المقابل، تنصبّ أولوية الجهات المسؤولة، في كثير من الأحيان، على تحصيل الإيرادات من رسوم المياه أكثر من انصبابها على صيانة موارد المشروع نفسه الذي تُجبى منه تلك الإيرادات. وهذا الخلل بين التحصيل والصيانة هو جوهر الأزمة، لا نقص الموارد وحده.

كيف تصنع التكنولوجيا فارقًا حقيقيًا؟

في المقابل، تقدّم تجارب دولية عدة مسارًا عمليًا يمكن أن يُستفاد منه محليًا. ففي كينيا، طوّر مشروع المضخات الذكية بجامعة أكسفورد أجهزة استشعار منخفضة الكلفة تُركَّب على مضخات المياه اليدوية وترسل بيانات دورية عبر شبكات الهاتف المحمول، الأمر الذي قلّص متوسط زمن إصلاح الأعطال من أكثر من شهر إلى أقل من ثلاثة أيام في القرى المشمولة بالتجربة. [5] وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن نحو ثلث المضخات اليدوية في أفريقيا معطّلة في أي وقت من الأوقات بسبب غياب الرصد الاستباقي، [6] بينما طوّر باحثون من جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا مجسّات منخفضة الكلفة لرصد تدفق المياه السطحية عن بُعد في بيئات تفتقر إلى معدات القياس المكلفة [7].

ما يجمع هذه التجارب أنها لا تحتاج إنترنت فائق السرعة ولا بنية تحتية مكلفة، بل تعتمد على شبكات الاتصال الأساسية (GSM) ورسائل نصية قصيرة لنقل بيانات الأعطال والمناسيب المائية إلى قاعدة بيانات مركزية يمكن لفرق الصيانة وصناع القرار المحليين الوصول إليها فورًا. [8] وهذا بالتحديد ما يمكن تكييفه في السياق السوداني: منظومة رصد رقمية بسيطة على مستوى الحفائر والمحطات المائية الريفية، تربط بين الوحدات المحلية للمياه، ومجالس الإدارة الأهلية، والجهات التنفيذية، بحيث يتحول التدخل من ردِّ فعل متأخر إلى صيانة استباقية مجدولة.

مسؤولية مشتركة: خمسون بالمئة عند المواطن

غير أن التكنولوجيا وحدها لن تحل الأزمة إن لم تقترن بتحوّل في ثقافة الإدارة والمشاركة. يُقال إن نجاح أية خطة تنموية يتحقق نصفه عند المواطن قبل المسؤول، وهذا ينطبق تمامًا على قطاع المياه: فالتزام المجتمعات المحلية بعدم التعدي على خطوط الصرف، ومشاركتها في الإبلاغ المبكر عن الأعطال، لا يقل أهمية عن التزام الجهات الحكومية بتخصيص جزء ثابت من إيرادات المياه لصيانة مصادرها بدل توجيهها بالكامل إلى أبواب أخرى. وتُظهر تجربة اليونيسف الأخيرة في السودان، حيث نشرت فرق صيانة متخصصة ومولدات وأنظمة طاقة شمسية احتياطية لتشغيل محطات المياه في مناطق متأثرة بالصراع، [9] أن المعادلة تنجح حين تتضافر الجهات الدولية والمحلية والمجتمعية معًا، لا حين تُترك المسؤولية لطرف واحد.

خاتمة: من الاستجابة إلى الاستدامة

إن معالجة أزمة المياه في السودان لا تحتمل انتظار الاستقرار السياسي الكامل؛ فالخدمات الأساسية يجب أن تُدار كمنظومة مستقلة نسبيًا عن تقلبات المشهد السياسي. والمطلوب اليوم هو أن تتبنى مراكز البحث والجامعات ومنظمات المجتمع المدني هذا الملف بوصفه قضية إدارة موارد قابلة للقياس والحل، لا مجرد أزمة إنسانية موسمية تُعالَج بالشاحنات الصهريجية عند كل قمة عطش. فحين تلتقي بيانات الاستشعار الحديثة بإرادة إدارية شفافة، وبمواطن مسؤول تجاه مورده المائي، يمكن لمناطق كالدالي والمزموم أن تخرج أخيرًا من دائرة الترقيع المتكرر إلى مسار استدامة حقيقي.

المصادر

[1] UNICEF Sudan, "Water, sanitation and hygiene" — unicef.org/sudan/water-sanitation-and-hygiene

[2] UNICEF Sudan, "A reality check which ignites #ForEveryChild – Striving for universal access to water in Sudan", March 2023 — unicef.org/sudan/press-releases

[3] UNICEF Sudan, "The fight against Cholera in Sudan" — unicef.org/sudan/fight-against-cholera-sudan

[4] UNICEF Sudan Humanitarian Situation Report, May 2025 — unicef.org/appeals/sudan/situation-reports

[5] Pumps Africa / University of Oxford Smart Handpump Project (Kenya) — pumps-africa.com/smart-handpumps-to-improve-africas-water-security-2

[6] UNICEF Office of Innovation, "Smart Pumps" — unicef.org/innovation/smart-pumps

[7] IEEE Innovate, "Using IoT to improve water quality in developing countries" (University of Cape Town) — innovate.ieee.org/innovation-spotlight/low-cost-water-iot

[8] Thomson, P. et al., "GSM-enabled remote monitoring of rural handpumps: a proof-of-concept study", Journal of Hydroinformatics, IWA Publishing — iwaponline.com/jh/article-pdf/14/4/829/386770/829.pdf

[9] UNICEF Sudan, "Water: A lifeline frayed by conflict", 2025 — unicef.org/sudan/blog/water-lifeline-frayed-conflict

 

 

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...