دكتور عثمان البشرى المهدي
الوضع في السودان يعاني من تعقيدات ومتشابكات في عمومه، إن كان ما قبل حرب "الوكسة" أو بعدها.
فالاتجاه التنظيري وتفكير كثير من السياسيين وصناع القرار، لا ينفك أن يبتعد كثيرًا عن المؤثرات الإقليمية في دول جواره وتأثيراتها في صراعاته الدولية وحتى المحلية، حيث تشابك القبيلة والحزب والجيش والاقتصاد. فتسيطر على الكثيرين حالة من التفكير الرغائبي المرتكن لتمجيد الذات والوصول بها إلى أبعاد ذات حمل كاذب، ومن ثم تصديرها لعموم الشعب وبيعه أوهامًا تخلق يوتوبيا شعورية سرعان ما تصطدم بالواقع فيصاب بصدمة، نتيجة أي فعل سالب أو غير مبشر، فتنقلب الحالة المزاجية غير الواقعية إلى كفر بجميع المسلمات ولعن "سلسفيل" الساسة والمفكرين.
في ظل هكذا أوضاع، تطل مجموعة من المنظورات التي تشغل ذهنية المواطن تختلف حدتها طبقًا لدرجة وعيه وتنوره بالأمور.
قد يتساءل الكثيرون خصوصًا مَنْ دفعت بهم الحرب إلى الخارج، وما رأوه بأمِّ أعينهم من تفاوتات تنموية ومعيشية مقارنة لحالهم بالسودان، لماذا تتأخر عجلة التنمية في السودان؟! بالرغم من قِدم المصطلح الخاص بالتنمية المستدامة منذ العام 2015، والذي أكد على محاولة القضاء على الفقر، وتلبية احتياجات المواطن الآنية في النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية موارده، وحتى المستقبلية دون المساس بحقوق الأجيال القادمات.
حينها يبدأ التفكير: لماذا فشلت كل الحكومات المتعاقبة في تحقيق طموحات المواطن نحو الرقي.
قد يقفز إلى ذهنه، أن الحكم العسكري قد حقق -إلى حدٍّ ما- بعض الومضات التنموية، وتظل وسائل الإعلام المؤدلجة "تزِّن" في رأسه، بصواب رأيه وأن المدنية شرٌّ مستطير، متناسين فقط طول أمد الحكم العسكري مقارنة بالمدني.
هنا يبرز كتاب الألماني هانز هيرمان "الديمقراطية الإله الذي فشل"، واصفًا إياها بأنها دومًا -أي الديمقراطية- ما تشهد تراجعًا في الحريات الاقتصادية والفردية بدلًا من حمايتها، بجانب مقارنته لأنظمة الحكم العسكري والديمقراطية من عدة نواحٍ أخرى اقتصادية وفلسفية، كذلك طرحه لأمر يعد في غاية الصفوية، بوصف الفشل الديمقراطي يؤدي إلى تدهور الأخلاق العامة والنظر السياسي وإدارة أمور السياسة بواسطة السياسيين الشعبويين. وقد يكون محقًا لحدٍّ بعيد إذا أسقطنا هذا التفسير على الواقع السوداني. وقد رأى هانز أن تحرير الملكية الخاصة واللامركزية والتحررية الجذرية هي الحلول الممكنة.
يدعم مفهوم الألماني هانز "الديمقراطية الإله الذي فشل"، نمو صوت مفهوم الدكتاتورية العادلة، بوجود حاكم ذي سلطة مطلقة وغير مقيد بأي قوانين، بتوجيه سلطته للتنمية والعدالة الاجتماعية والهدف التنموي، تحمل النظرة بذور فشلها في غياب ضامن حقيقي للتنازل من السلطة وتكريسها لنحو أبدي لا تنتهي إلا بموت الحاكم.
ومن عجب، أن غباء كثير من العسكريين والذين كان يمكن أن يستفيدوا من هذه التنظيرات، جعلهم قاصري النظر، لأنهم فقط يلجأون إلى أحلام آبائهم بالسلطة التي سوف تأتيهم على طبق من ذهب.
لا يلغي ذلك الدور السلبي للأحزاب السياسية، حيث إدمانها للمشكلات، وتعاطي الأمور السياسية بالقطاعي، حتى برامجها ليس بها ما يبشّر بمستقبل واعد، فتشابك الاختصاصات وتضارب المصالح أقعدها كثيرًا، فأصبح جلُّ اهتمامها منصبًا فقط في الوصول لدست الحكم، وحتى هذا ليتها كانت لها خطط يصيغها أهل الشأن فتفتخر حينها "هاؤم اقرأوا كتابيه" (الحاقة:19).
في ظل هذه التناقضات والتراكمات يمكن أن يصبح يقينًا عند الكثيرين أن التنمية والتقدم صنوان للحكم العسكري، في مقابل عدم إدراك المخاطر والفوضى سمة للديمقراطية.. فيهلل للأولى ويكفر بالثانية.
لذا فإننا نحتاج لاستفاقة لإدراك الكم الهائل من التناقضات في التفكير والعمل على حلحلتها لضمان مستقبل واعد للسودان، استفاقة تضمن فصل الشرعية عن التنمية المركزية القابضة وتحويلها للامركزية منتجة، وعقد اجتماعي جديد يكرس لوحدة السودان.




التعليقات (0)
جاري التحميل...