أشرف عبدالعزيز

تشهد الساحة السياسية السودانية تحولًا حادًا ينذر بإعادة إنتاج سيناريوهات العزلة الدولية والتأزم الداخلي التي خبرتها البلاد في عقود سابقة، حيث يعكس الموقف الأمريكي الأخير تحولًا حاسمًا وجذريًا تجاه سلطة الأمر الواقع. لم يعد تعامل واشنطن مع الأزمة السودانية يتسم بمسك العصا من المنتصف أو الاكتفاء بالدعوات الروتينية للتهدئة، بل انتقل إلى مرحلة المواجهة المباشرة والتضييق السياسي والأخلاقي.

تبدى هذا الحزم في التقارير الموثقة التي نشرتها صحف عالمية كبرى مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست بشأن استخدام الجيش لسلاح كيميائي محظور في أتون النزاع الحالي، وهو الاتهام الذي يضع قيادة الجيش تحت طائلة القانون الدولي ويجردها من أي غطاء أخلاقي. وتوج هذا الموقف بمنع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان من دخول الأراضي الأمريكية ورفض منحه تأشيرة الدخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تلا ذلك الإعلان الصريح من وزارة الخارجية الأمريكية بعدم اعترافها بشرعية أي من طرفي النزاع. هذا الموقف المتقدم وضع القيادة العسكرية أمام حقيقة ساطعة مفادها أن الشرعية الدولية لا تُمنح بالأمر الواقع أو عبر الاستمرار في القتال.

في المقابل، جاءت ردود الفعل الرسمية والمجتمعية المرتبطة بسلطة الأمر الواقع لتكشف عن انفصال تام عن المعطيات الدولية وإصرار على استعادة أدوات وممارسات نظام المؤتمر الوطني المقبور. ورغم محاولات وزير الخارجية محي الدين سالم اعتماد خطاب دبلوماسي مرن يتحدث عن التجاوب مع المبادرات الدولية، بما فيها جهود واشنطن ومباحثات جدة، إلا أن هذا الخطاب يظل مجرد واجهة هشّة تغطي على واقع مختلف تمامًا تحركه قوى الإسلاميين والمجموعات المتطرفة من خلف الستار.

إن قيام التيار الإسلامي بتحريك الشارع وتنظيم تظاهرات خرجت من المساجد عقب صلاة الجمعة الماضية، نددت بالإدارة الأمريكية ورفعت شعارات تأييد متعصبة للبرهان ودعت لاستمرار الحرب، تعيد للذاكرة ذات النهج العقيم الذي اتبعه عمر البشير في معركته الفاشلة مع المجتمع الدولي. لقد ظن نظام البشير أن رفع الشعارات الراديكالية وتعبئة الشارع باسم "السيادة الوطنية" سيعصمه من العقوبات والمحاصرة، فكانت النتيجة عزل السودان واختناق اقتصاده بالكامل، حتى انتهى به المطاف لسقوط حتمي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية والرفض الشعبي. وإن سدر البرهان في هذا الطريق وانصاع لابتزاز الإسلاميين الذين يستخدمونه كواجهة للعودة إلى المشهد السياسي، فإن نهايته السياسية ستكون حتمية ومماثلة لسلفه، لأن العاطفة والشعارات التعبوية لا يمكن أن تبني اقتصادًا ولا أن تصنع شرعية دولية.

ولم تقتصر عرقلة مسار السلام على محاولات الإسلاميين لرهن القرار العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل الحركات المسلحة التحالفية، وعلى رأسها حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، الذي يمارس لعبته السياسية المعتادة للهروب إلى الأمام عبر محاولة تجسير الهوة بينه وبين البرهان واستغلال وجوده في نيويورك للدفاع عن القوات المسلحة ومهاجمة الإدارة الأمريكية على خلفية حجب التأشيرة عن البرهان.

إن هذا السلوك من قبل مناوي والحركات المسلحة لا ينطلق من مبادئ وطنية حرّة، بل يأتي في إطار صفقات المصلحة الذاتية والرغبة المحمومة في ضمان استمرار النفوذ والمكاسب السلطوية التي حصلوا عليها بموجب اتفاقات سابقة أو تحالفات الحرب الحالية. إن هذه الحركات، بصنيعها هذا، تنصلت عن واجبها في حماية مدنيي دارفور واستقراره، وصارت مجرد حطب لترس الحرب والمزايدات السياسية.

إن القراءة الفاحصة للمشهد السوداني تؤكد بلا أدنى شك أن التيارات الإسلامية الراديكالية والحركات المسلحة الانتهازية تشكلان حجر العثرة الحقيقي والعقبة الكؤود أمام كل الجهود الدولية، وفي مقدمتها المجهودات الأمريكية، لتحقيق وقف إطلاق النار وإنهاء معاناة الشعب السوداني. إن إصرار هذه الأطراف على استمرار الصراع واستعداء المجتمع الدولي، والضرب بعرض الحائط بكافة المبادرات الداعية للحل السلمي والتحول المدني الديمقراطي، يعمق الحصار على البلاد ويقودها نحو التفتت الكامل. إن الارتهان لمنطق القوة ولأوهام الحسم العسكري المرفوقة بالخطاب الديني والشعبوي لن ينتج سوى مزيد من الدمار والعزلة، ولن يستقيم مستقبل السودان إلا بإنهاء نفوذ هذه القوى المتطرفة وإعادة القرار السيادي للحل السلمي المدني الشامل.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...