محمد الأمين عبد النبي
من نافلة القول إن حرب السودان تتجاوز الصراع التقليدي لتتحول إلى معضلة معقدة تتشابك فيها الحسابات السياسية والاقتصادية مع التقاطعات الإقليمية والدولية. إذ يتضح جليًا أن الأطراف المتحاربة، بالرغم من عجزها عن الحسم العسكري، لا تزال تقاتل بدافع تحقيق نصر سياسي يمنحها اليد العليا في المستقبل.
وفي مقابل هذا الاستنزاف، يعيش المدنيون كارثة إنسانية غير مسبوقة، تتمثل في انهيار مؤسسات الدولة، وتفشي الأوبئة، واتساع رقعة المجاعة. ومن هنا، يبرز التساؤل متجاوزًا توقيت وقف إطلاق النار إلى البحث في هندسة الانتقال من مربع الحرب إلى فضاء الحل الشامل.
وتؤكد أدبيات فض النزاعات وبناء السلام أن الحروب لا تضع أوزارها إلا عندما يصطدم أطراف الصراع بـ"الجمود المؤلم"؛ وهي اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن كلفة الاستمرار في الحرب أصبحت أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة، وأن الحسم العسكري بات وهمًا بعيد المنال. وفي المشهد السوداني، لا يزال هذا الإدراك غائبًا، أو لم يكتمل بعد، إذ يواصل كلُّ طرف السعي إلى تحسين موقعه التفاوضي عبر الميدان، وهو ما يفسر تعثر المبادرات، بالرغم من الكلفة الإنسانية الباهظة.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الخلل الرئيس في اتفاقات وقف إطلاق النار يكمن في اقتصارها على تفاهمات عسكرية غير مرتبطة بمسار سياسي شامل. فالهدنة الناجحة تستند إلى ضمانات ملزمة، وآليات رقابة محايدة، وتستفيد من أدوات المراقبة التقنية الحديثة لرصد الخروقات وتوثيقها بصورة دقيقة وشفافة. وبالتوازي مع ذلك، يتطلب نجاح أية هدنة تأمين الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ومنع استغلال فترة التهدئة في إعادة التموضع العسكري.
وفي هذا الإطار، يأتي التحرك الأمريكي الأخير كمحاولة لكسر حالة الاستعصاء عبر طرح هدنة إنسانية، تكون مدخلًا لبناء الثقة، وتهيئة المناخ لوقف دائم للأعمال العدائية، تمهد لترتيبات حكم مدني انتقالي. وعلى الرغم من إعلان الطرفين مواقفهما من المقترح، فإن معيار نجاح المبادرة لا يقاس بإعلان المواقف السياسية أو المناورات الإعلامية، وإنما بمدى الالتزام العملي ببنودها، والاستعداد لتقديم التنازلات التي تضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات.
ويتكامل هذا المسعى مع الموقف الذي تبناه وزراء خارجية دول مجموعة السبع، بمشاركة الاتحاد الأوروبي، والذي مثّل دفعة دبلوماسية مهمة. فقد حمّل البيان الطرفين مسؤولية عدم الوفاء بالتزاماتهما السابقة، مؤكدًا ضرورة تنسيق جهود الوسطاء للوصول إلى وقف لإطلاق النار، وتهيئة الطريق أمام عملية سياسية بقيادة مدنية.
ومع ذلك، يبقى من الضروري إدراك أن إسكات الرصاص ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة أكثر تعقيدًا؛ فوقف إطلاق النار لا يعني نهاية الحرب، بل بداية لعملية سياسية تعالج جذور الأزمة السودانية. وتشمل هذه العملية الإصلاح الأمني والعسكري بما يقود إلى بناء جيش وطني مهني موحد يخضع للسلطة المدنية، وإرساء أسس العدالة الانتقالية والمساءلة، ومعالجة قضايا الهوية والتنمية غير المتوازنة.
وتأسيسًا على هذا المشهد المعقد، فإن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في مسار متدرج ومترابط يبدأ بهدنة إنسانية تخضع لرقابة فعالة وآليات تحقق مستقلة، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار، ثم تنطلق عملية سياسية شاملة تعالج القضايا الدستورية والأمنية والاقتصادية، وصولًا إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. ولن يُكتب لهذا المسار النجاح إلا إذا تزامنت ثلاثة تحولات رئيسة: اقتناع أطراف الصراع باستحالة الحسم العسكري، وبلورة إرادة سياسية مدنية قادرة على تقديم مشروع جامع، وتوحيد الجهود الإقليمية والدولية خلف منبر تفاوضي واحد. عندها فقط، يمكن أن تتحول الهدنة من مجرد استراحة محارب إلى انطلاقة نحو سلام مستدام، وإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمواطنة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...