الفصل الثالث

بقلم: مبارك المهدي

تناول الفصل السابق من هذه الورقة السوابق السودانية في اتفاقيات السلام، وما قدمته من دروس بشأن التفاوض ووقف إطلاق النار وإنهاء النزاعات المسلحة.

ويناقش هذا الفصل تحفظ قيادة القوات المسلحة السودانية على عقد الحوار السوداني–السوداني خارج البلاد، في ضوء الخبرة الدولية ومتطلبات الانتقال من الحرب إلى السلام، ومدى ارتباط نجاح الحوار بمكان انعقاده، إلى جانب المتطلبات السياسية والأمنية والاجتماعية اللازمة لتهيئة البيئة الوطنية لإنجاح عملية السلام.

أبدت قيادة القوات المسلحة السودانية تحفظاً على أن يُعقد الحوار السوداني–السوداني خارج السودان، انطلاقاً من أن أي حوار وطني ينبغي أن يجري داخل البلاد وتحت سيادة الدولة. ويستند هذا الرأي إلى اعتبارات تتعلق بالسيادة والرمزية الوطنية، إلا أن تجارب إنهاء الحروب الأهلية تبين أن مكان انعقاد المفاوضات لم يكن في حد ذاته العامل الحاسم في نجاحها، وإنما تمثلت العوامل الحاسمة في حياد البيئة التفاوضية، وضمان أمن المشاركين وحريتهم، وتكافؤ الفرص بينهم، وتوافر الرعاية والضمانات الإقليمية والدولية اللازمة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

وقد انعقدت مفاوضات واتفاقات سلام كبرى خارج حدود الدول المعنية، كما حدث في مفاوضات نيفاشا الخاصة بالسودان، واتفاق دايتون بشأن البوسنة والهرسك، واتفاقات أوسلو، وغيرها من التجارب التي أثبتت أن مكان التفاوض ليس هدفاً في ذاته، وإنما وسيلة لتوفير بيئة آمنة ومحايدة عندما يتعذر توفيرها داخل الدولة بسبب استمرار الحرب، أو انقسام مؤسساتها، أو غياب سلطة عامة محايدة قادرة على حماية جميع المشاركين.

والأصل أن اختيار مكان المفاوضات يخضع لاتفاق الأطراف وتقدير الوسطاء، ولا يعد انعقادها خارج البلاد انتقاصاً من سيادة الدولة، ما دام القرار النهائي بيد الأطراف السودانية، وما دامت العملية التفاوضية لا تفرض حلولاً خارجية على الإرادة الوطنية. فالسيادة لا تقاس بالموقع الجغرافي للمفاوضات، وإنما بقدرة السودانيين على اتخاذ قراراتهم بحرية، وحماية وحدة دولتهم، والوصول إلى اتفاق وطني قابل للتنفيذ.

أولاً: طبيعة السلطة القائمة وأثرها في تهيئة بيئة الحوار

تقتضي أي عملية حوار وطني ناجحة وجود سلطة عامة تتمتع بالحياد الكافي والثقة الوطنية اللازمة لتهيئة العملية السياسية وحماية المشاركين فيها. أما عندما تكون السلطة التنفيذية القائمة، بحكم الواقع، جزءاً من النزاع المسلح، وتكون مؤسسات الدولة منخرطة بصورة مباشرة في الحرب، فإن انعقاد الحوار تحت إشرافها يثير تساؤلات مشروعة حول حياد العملية السياسية، وإمكان توفير الضمانات المتساوية لجميع المشاركين، ومدى قدرة القوى السياسية والمدنية على التعبير عن مواقفها بحرية.

وفي الحالة السودانية، أفرزت الحرب أوضاعاً استثنائية جعلت من الصعب تهيئة بيئة سياسية متوازنة داخل البلاد خلال المرحلة الأولى من عملية السلام. فقد انقسمت مؤسسات الدولة، واتسعت رقعة العمليات العسكرية، وتعرضت الحياة المدنية لقيود أمنية وسياسية، كما نزح ملايين المواطنين داخل البلاد وخارجها، وغادرت قيادات سياسية ومدنية وإعلامية عديدة مناطق الحرب.

وتفسر هذه الظروف لجوء كثير من تجارب إنهاء الحروب الأهلية إلى عقد المفاوضات الأولية في دول محايدة، إلى أن تستقر الأوضاع الأمنية والسياسية، وتتهيأ داخل الدولة بيئة تسمح بعودة العملية السياسية إلى إطارها الوطني الطبيعي. ولا يمثل ذلك انتقاصاً من سيادة السودان، بل يعد إجراءً انتقالياً تفرضه ظروف الحرب، ويهدف إلى توفير الحد الأدنى من الضمانات اللازمة للتوصل إلى اتفاق قابل للحياة والتنفيذ، على أن تنتقل المراحل اللاحقة، بما فيها إقرار التسوية السياسية وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، إلى الداخل متى توافرت البيئة الأمنية والسياسية الملائمة

ثانياً: ما الذي يجب أن يسبق الحوار السوداني–السوداني

إن أحد أهم الدروس التي تقدمها تجارب إنهاء الحروب الأهلية هو أن الحوار السياسي الشامل لا ينجح إذا عُقد في ظل استمرار أسباب الانقسام التي أفرزت الحرب. فالحوار الوطني ليس مجرد اجتماع للقوى السياسية حول طاولة واحدة، وإنما هو تتويج لمسار متكامل من وقف الحرب، وبناء الثقة، وتهيئة البيئة السياسية والأمنية والاجتماعية التي تمكن الأطراف المختلفة من التفاوض بحرية والوصول إلى توافقات قابلة للتنفيذ

وفي الحالة السودانية، لم تقتصر آثار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 على المواجهة العسكرية، بل أحدثت انقسامات سياسية واجتماعية وقبلية عميقة، وأدت إلى نزوح ولجوء ملايين المواطنين، وانهيار مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية في أجزاء واسعة من البلاد، واتساع دائرة التسليح والتعبئة العسكرية. ولذلك، فإن الانتقال مباشرة إلى مؤتمر وطني شامل، من دون استكمال المسارات التمهيدية الضرورية، قد يحول الحوار إلى ساحة جديدة للصراع السياسي، ويهدد فرص نجاحه بدلاً من أن يسهم في إنهاء الحرب.

(أ) المصالحة الوطنية بين القوى السياسية والمجتمعية

تبدأ العملية بإطلاق مصالحة وطنية بين مختلف القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، هدفها تجاوز حالة الاستقطاب والانقسام، والاتفاق على المبادئ الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها وقف الحرب، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، والالتزام بالحكم المدني الديمقراطي، ورفض استخدام القوة المسلحة وسيلة للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها.

كما ينبغي أن تؤسس هذه المصالحة لرفض الإقصاء السياسي، والالتزام بالتداول السلمي للسلطة، واحترام التنوع السياسي والثقافي والاجتماعي، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات الحرة والمؤسسات الدستورية، بما يعيد بناء الثقة بين القوى المدنية، ويسمح لها بالدخول إلى الحوار الوطني بوصفها شريكة في بناء المستقبل، لا أطرافاً تتنازع شرعية الماضي أو تسعى إلى تصفية الحسابات السياسية.

(ب) المصالحات المجتمعية ورتق النسيج الاجتماعي

خلفت الحرب آثاراً اجتماعية عميقة، خاصة في ولايات وسط السودان والشمالية ودارفور وكردفان وغيرها من المناطق المتأثرة بالنزاع، وشملت أعمال القتل والتهجير والنهب والاعتداء على الممتلكات، إلى جانب تصاعد التوترات القبلية والمجتمعية وخطاب الكراهية.

ومن ثم، فإن أي تسوية سياسية لن تستقر ما لم يسبقها ويصاحبها برنامج وطني واسع للمصالحات المجتمعية، تشارك فيه الإدارات الأهلية، والزعامات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني، والقيادات المحلية، والنساء والشباب، والنازحون واللاجئون، بهدف تعزيز التسامح، ووقف خطاب الكراهية، وجبر الضرر، وإعادة الثقة بين المجتمعات المحلية.

وينبغي أن ترتبط المصالحات المجتمعية بمسارات العدالة الانتقالية والمساءلة والتعويضات، حتى لا تتحول المصالحة إلى وسيلة للإفلات من العقاب أو تجاهل حقوق الضحايا. فالسلام المستدام يقوم على المصالحة المجتمعية والعدالة بقدر ما يقوم على الاتفاقات السياسية.

(ج) الحوار المدني–العسكري

يمثل الحوار المدني–العسكري أحد أهم المسارات السابقة للحوار الوطني الشامل. ويقتصر على عدد محدود من القيادات المدنية الوطنية والقيادة العليا للقوات المسلحة، برعاية إقليمية ودولية مناسبة، ويمكن أن ينعقد تحت مظلة مسار جدة في المملكة العربية السعودية، وبمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية والجهات الراعية ذات الصلة.

ويهدف هذا الحوار إلى الاتفاق على المبادئ العامة لإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وبناء جيش وطني واحد، مهني وقومي، وإنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن النشاط السياسي والاقتصادي، وترسيخ خضوعها للسلطة المدنية الدستورية المنتخبة.

ويقتصر الحوار على المسائل الأمنية والعسكرية والعلاقة الدستورية بين السلطة المدنية والقوات المسلحة، ولا يمتد إلى القضايا السياسية أو ترتيبات تقاسم السلطة، التي تبقى من اختصاص الحوار السياسي السوداني–السوداني. كما أنه لا يستهدف توزيع المناصب أو منح القوات المسلحة دوراً سياسياً، وإنما وضع الأسس الدستورية والمؤسسية التي تمنع تكرار الانقلابات العسكرية، وتعيد للقوات المسلحة دورها الطبيعي بوصفها مؤسسة وطنية محترفة مسؤولة عن حماية سيادة البلاد ووحدتها ودستورها.

كما ينبغي أن يتناول الحوار إعادة بناء الشرطة وجهاز المخابرات على أسس مهنية وقومية، وإنهاء النشاط الاقتصادي للمؤسسات العسكرية والأمنية، ووضع جميع القوات النظامية تحت الرقابة الدستورية والقانونية للسلطة المدنية المنتخبة.

(د) الترتيبات الأمنية والحوار مع الحركات والتنظيمات المسلحة

إلى جانب الحوار المدني–العسكري، تبرز الحاجة إلى مسار متخصص لمعالجة الترتيبات الأمنية مع الحركات والتنظيمات المسلحة، بما يشمل تثبيت وقف إطلاق النار، وتجميع القوات في مواقع متفق عليها، ونزع السلاح، والتسريح، وإعادة الدمج، وتنفيذ الالتزامات الأمنية بصورة تدريجية ومنظمة، وفق برامج واضحة تستفيد من المعايير الدولية وتجارب الدول الخارجة من النزاعات، مع مراعاة خصوصية السودان وأوضاع أقاليمه المختلفة.

وينبغي أن يكون الهدف النهائي لهذا المسار بناء جيش وطني واحد، وإنهاء وجود أي تشكيلات عسكرية أو قبلية أو حزبية أو أيديولوجية موازية للدولة، مع عدم دمج التشكيلات العقائدية أو العناصر التي ارتكبت جرائم جسيمة من دون إخضاعها لإجراءات العدالة والفحص المهني والقانوني.

كما يجب الفصل بين المسار الأمني والمسار السياسي، بحيث لا يؤدي امتلاك السلاح إلى منح أي طرف حقاً تلقائياً في المشاركة السياسية أو تقاسم السلطة. فالحقوق السياسية تُكتسب عبر المواطنة والانتخابات والعمل المدني السلمي، لا عن طريق القوة المسلحة.

ثالثاً: المسارات الأربعة المقترحة لعملية السلام

استناداً إلى التجارب الدولية والسودانية، تقترح هذه الدراسة أن تسير عملية السلام عبر أربعة مسارات متوازية ومتكاملة، تتقدم وفق جدول زمني منظم، وتتولى الجهات الإقليمية والدولية الراعية التنسيق بينها من دون الخلط بين اختصاصاتها.

المسار الأول: الحوار المدني–العسكري

يهدف إلى التوافق على إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وتحديد العلاقة الدستورية بين السلطة المدنية والقوات المسلحة، وبناء جيش وطني واحد، مهني وقومي، يخضع للسلطة المدنية المنتخبة، مع إنهاء النشاط السياسي والاقتصادي للمؤسسات العسكرية.

المسار الثاني: مؤتمر المصالحة الوطنية بين القوى السياسية والمجتمعية

يهدف إلى معالجة الانقسامات السياسية والمجتمعية، وبناء الثقة بين القوى المدنية، والاتفاق على المبادئ الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها وقف الحرب، ووحدة السودان، والحكم المدني الديمقراطي، والتداول السلمي للسلطة، ورفض الإقصاء والعنف السياسي.

المسار الثالث: مؤتمر الإدارة الأهلية

يهدف إلى معالجة آثار الحرب على المجتمعات المحلية، ووقف خطاب الكراهية، وجبر الضرر، وتعزيز التعايش، ورتق النسيج الاجتماعي، وتهيئة الظروف الآمنة لعودة النازحين واللاجئين، بالتكامل مع مسارات العدالة الانتقالية والمساءلة.

المسار الرابع: مؤتمر الحوار السوداني–السوداني الشامل

ينعقد بعد إحراز تقدم جوهري في المسارات السابقة، باعتباره الإطار الوطني الجامع لإقرار التسوية السياسية النهائية، ووضع أسس الانتقال الديمقراطي، واعتماد الترتيبات الدستورية، واستعادة مؤسسات الدولة على قاعدة التوافق الوطني.

ولا ينبغي أن تشارك في هذا المؤتمر، بصفتها العسكرية، الأطراف المتحاربة أو الحركات والتشكيلات المسلحة المتحالفة معها، لأن العملية السياسية يجب أن تكون مدنية. أما المسائل المتعلقة بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية وإعادة دمج القوات، فتُعالج في المسارات الأمنية المتخصصة.

مخرجات المسارات الأربعة

ينبغي أن تنتهي المسارات المقترحة إلى مجموعة من المخرجات المتكاملة، تشمل:

1. اتفاقاً ملزماً لوقف إطلاق النار ووقف العدائيات وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

2. مبادئ متفقاً عليها لإصلاح القطاع الأمني والعسكري وبناء جيش وطني واحد.

3. ميثاقاً سياسياً مدنياً يحدد المبادئ الحاكمة للمرحلة الانتقالية.

4. برنامجاً وطنياً للمصالحات المجتمعية والعدالة الانتقالية وجبر الضرر.

5. ترتيبات دستورية انتقالية تعيد الحكم المدني وتحدد مهام ومؤسسات المرحلة الانتقالية.

6. برنامجاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية والاقتصاد الوطني.

7. جدولاً زمنياً واضحاً للانتقال الديمقراطي وإجراء الانتخابات الحرة.

خاتمة الفصل

يتضح مما تقدم أن الحوار السوداني–السوداني لا ينبغي النظر إليه بوصفه نقطة البداية، بل باعتباره المرحلة الختامية في عملية سلام متدرجة تبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين، ثم بناء الثقة، ومعالجة القضايا السياسية والاجتماعية والأمنية التي أفرزها النزاع، وصولاً إلى مؤتمر وطني جامع تتوافر له مقومات النجاح والاستقرار.

وعليه، فإن الاعتراض على مكان انعقاد الحوار لا يمثل جوهر القضية، لأن نجاح عمليات السلام لا يرتبط بالموقع الجغرافي للمفاوضات، وإنما بقدرة العملية السياسية على توفير الحياد، وضمان حرية المشاركين، وبناء الثقة، وإيجاد آليات تنفيذ ومتابعة تضمن احترام الاتفاقات.

كما أن عقد الحوار داخل السودان، في ظل استمرار الحرب وغياب البيئة السياسية والأمنية المحايدة، قد يحوله إلى عملية خاضعة لسلطة أحد أطراف النزاع، بدلاً من أن يكون حواراً وطنياً حراً ومتوازناً. ولذلك يمكن أن تبدأ المراحل التمهيدية خارج البلاد بصورة مؤقتة، على أن تنتقل العملية إلى الداخل متى توقفت الحرب وتوافرت الضمانات اللازمة.

ومن ثم، فإن نجاح المشروع الأمريكي للهدنة، أو أي مبادرة مستقبلية لإنهاء الحرب في السودان، يتوقف على النظر إلى الحوار السوداني–السوداني باعتباره تتويجاً لمسار وطني متكامل، لا مجرد خطوة افتتاحية تسبق استكمال متطلبات السلام.

فالانتقال الناجح من الحرب إلى السلام لا يتحقق بعقد مؤتمر سياسي واحد، وإنما بإدارة متدرجة ومتكاملة تتضافر فيها المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية والمجتمعية، وصولاً إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقرة، تحتكر وحدها استخدام القوة المسلحة من خلال جيش وطني واحد، مهني وقومي، يخضع للسلطة المدنية الدستورية المنتخبة.

ويشكل هذا النموذج الإطار العملي الذي تقترحه هذه الدراسة لإدارة الانتقال من الحرب إلى السلام، واستعادة الدولة السودانية على أسس الوحدة والمواطنة والديمقراطية وسيادة القانون.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...