د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

مقدمة

ما زال مشروع الإمام المهدي وقيادته لمهمة مزدوجة في إطار مأموريته وحركته التحررية، حاضرًا وله تأثيره الكبير. ففي ورقته الموسومة "المهدية في الماضي والحاضر"، المُقدَّمة إلى (مؤتمر المهدية) بجامعة الأحفاد في يناير 2020م، عبَّر الإمام الصادق المهدي عن ذلك بقوله: "لدينا كيانان، أحدهما دعوي، أي هيئة شؤون الأنصار، والآخر سياسي، أي حزب الأمة القومي، ومع أن ظروفًا طارئة ألزمتنا بانتخاب قيادة واحدة لهذيْن الكيانيْن، فإن المطلوب في المرحلة القادمة الفصل التام بين الكيان السياسي والكيان الدعوي".

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أنها تعبر عن وعيٍ متقدم بوجود تمايز بين المجال الدعوي والمجال السياسي داخل الامتداد المعاصر للمهدية، الأمر الذي يفتح الباب لإعادة النظر في طبيعة المشروع الذي حمله الإمام المهدي نفسه، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها استدعاء تجربته في الحاضر.

فاستدعاء الإمام المهدي اليوم لا يكون باستنساخ شروط زمانه، وإنما باستلهام روحه الإصلاحية، وشجاعته في التغيير، وقدرته على توحيد الناس حول مشروع جامع، مع الاحتفاظ بحق كلِّ جيل في إعادة صياغة برامجه وأدواته وفق مقتضيات العصر.

ومن هذا المنطلق، يثور التساؤل حول طبيعة المشروع الذي حمله الإمام المهدي: هل يُنظر إليه باعتباره مشروعًا دينيًا خالصًا مرتبطًا بمأمورية صاحبه، أم بوصفه مشروعًا وطنيًا نهض على قيادة مركزية استطاعت أن تستوعب التعدد الاجتماعي والثقافي في السودان، وأن توظّف الخطاب الديني بوصفه محركًا للتغيير وضابطًا له؟

المهدية بين المأمورية والحركة

تقتضي محاولة تقديم قراءة متجددة للمهدية، النظر إليها في إطارها الإجرائي والحركي الفاعل، وذلك من خلال قراءة موضوعية للنشاط الثوري الذي قاده الإمام المهدي، مع اعتبار النشاط الدعوي محركًا لذلك النشاط وضابطًا له.

فاختلاف الزمان، وغياب المعطيات الذاتية المرتبطة بالقائد المركزي، يجعل من الواجب الاعتماد على العناصر القابلة لإعادة الإنتاج في التجربة المهدية، أي دورها كحركة تفاعلية استطاعت أن تستجيب لتحديات مجتمعها، وأن توحد قطاعات واسعة من السودانيين حول مشروع للتغيير.

ومن هذا المنطلق، يمكن إعادة طرح الإمام المهدي قائدًا وطنيًا التقت حوله إرادة الناس في زمانه، دون أن تُختزل المهدية في جدلية انطباق شروط مهدية محمد أحمد واشتراطاتها العقدية، ودون أن تُحبس ديناميكية الثورة داخل إطار مغلق يمنع استلهام عناصر القوة فيها.

فمحمد أحمد، من حيث وجوده الذاتي ومهديته الخاصة، قد غاب وانقضى زمانه، أما برنامجه الثوري وما تضمنه من رؤى في الحكم والإدارة والتعبئة الاجتماعية، فهو باقٍ وقابل للتطوير والتطويع وفق مقتضيات الزمان والمكان، بل وقابل للاختلاف معه أو تجاوزه متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، باعتبار أن جانبًا كبيرًا من التجربة يدخل في باب تدبير شؤون الدنيا وفلسفة الحكم والإدارة.

ولعل من المناسب أن ينظر الأنصار إلى المهدية -من زاوية الاعتقاد- باعتبارها مأمورية خاصة بصاحبها، وأن ينظر السودانيون جميعًا إلى قائدها باعتباره شخصية وطنية تاريخية، وأن يستدعوا من تجربته دوره الحركي وإدارته الفاعلة للثورة.

الإمام المهدي: الزعامة الدينية والقيادة الوطنية

من المسائل التي تستحق إعادة النظر، طبيعة المشروع القيادي الذي طرحه الإمام المهدي.

فالثابت تاريخيًا أنه لم يقدّم نفسه إمامًا لجماعة محدودة أو لطائفة مخصوصة، وإنما خاطب السودان كله، وسعى إلى إقامة مشروع يتجاوز الانتماءات الجهوية والقبلية والطرقية.

ولو أراد أن يبقى رجل دين بالمعنى التقليدي، أو فقيهًا وصوفيًا كما كان يُنظر إليه في زمانه، لكان بإمكانه أن يعود إلى الجزيرة أبا حيث ذاعت شهرته في مجال التعبد والتدريس، أو أن يستقر في ديار الحلاوين حيث كان يعد الرجل الثاني بعد شيخه القرشي ود الزين.

غير أنه اختار طريقًا آخر، تمثَّل في إحداث ثورة في المفاهيم الدينية السائدة، وكسر احتكار رجال الطرق الصوفية التقليدية للخطاب الديني، والدعوة إلى العودة إلى ما اعتبره أصول الدين الصحيحة وتنقية الممارسة الدينية من الشوائب التي لحقت بها.

كما أنه لو كان يبتغي مُلكًا أو زعامةً قبلية، لاختار أهله في الشمال، أو لاتخذ من الغرب الذي احتضن دعوته مركزًا دائمًا لحكمه من الأبيض أو بارا، لكنه تجاوز حدود الجغرافيا والقبيلة إلى مشروع ذي أفق وطني واسع.

ولعل هذا ما يفسر اجتماع قطاعات واسعة من السودانيين حوله في مرحلة تاريخية فارقة، إذ بدا مشروعه أقرب إلى مشروع قيادة مركزية جامعة، استندت إلى خطاب ديني إصلاحي، لكنها تجاوزت في ممارستها العملية حدود الانتماءات التقليدية، واتجهت نحو بناء كيان سياسي وعسكري وإداري، استطاع -ولو لفترة محدودة- أن يؤسس لأول تجربة سودانية مستقلة في العصر الحديث.

نحو قراءة متجددة للمهدية

إن من مقتضيات الوفاء لتجربة الإمام المهدي، ألا نتردد في إعادة قراءتها، أو في مناقشة بعض مسلماتها، فالإمام المهدي بشر من البشر، وربما كان سر عظمته وعبقريته أنه استطاع، بقدرات بشرية استثنائية، أن يتفوق على كثير من معاصريه وأن يحدث أثرًا تجاوز زمانه.

أما إحالة كل ما ارتبط به إلى جدلية المنتظرية، فإنها قد تحجب كثيرًا من مظاهر عبقريته الإنسانية، وتضعف القدرة على تفسير بعض مواقفه تفسيرًا تاريخيًا وسياسيًا، وتفتح الباب أمام خصومه للنظر إليها باعتبارها مواضع طعن لا يمكن مناقشتها أو الدفاع عنها.

ومن هذا المنظور، فإن هذه القراءة لا تناقش عقيدة، ولا تقصد التشكيك في اعتقاد أحد، وإنما تحاول إيجاد أرضية مشتركة للحوار مع المختلفين، من خلال مناقشة المشتركات التاريخية والإنسانية بصورة موضوعية، تحرر النقاش من محاكمة النيات أو البحث في خفايا الصدور.

وإذا كانت هذه المقاربة لا تتفق مع الغايات التي ينطلق منها بعض المهتمين بالمهدية، فإنها لا تدعي امتلاك الحقيقة، ولا تنكر على أحد حقه في تبني رؤية مغايرة، وإنما تقدم اجتهادًا يحتمل الصواب والخطأ، ويأمل أن يسهم في توسيع دائرة الحوار حول واحدة من أهم التجارب المؤسسة في التاريخ السوداني الحديث.

خاتمة

لعل من الممكن الجمع بين الرؤيتين؛ فالمهدية، بالنسبة للمؤمنين بمأموريتها، تظل تجربة دينية ذات خصوصية عقدية، لكنها في الوقت نفسه تمثل للسودانيين جميعًا ثورة وطنية كبرى، وقادها رجل امتلك من الكفاءة والقدرة على التعبئة والإدارة ما جعله واحدًا من أبرز الشخصيات المؤسِّسة للوجدان السياسي السوداني.

ومن ثم، فإن إعادة قراءة مشروع الإمام المهدي لا ينبغي أن تنصرف إلى إثبات المأمورية أو نفيها، بقدر ما ينبغي أن تتجه إلى استيعاب عناصر القوة التي حملتها التجربة، واستلهام بعدها الإصلاحي والحركي، بما يسمح بإبقاء المهدية حاضرة في الوجدان الوطني بوصفها تجربة إنسانية وسياسية قابلة للفهم والنقد والتجديد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...