د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

لا تتشكل الهويات الوطنية بقرارات سياسية مجردة، وإنما عبر أطر اجتماعية تستوعب ولاءات الناس وتنظم علاقاتهم. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تاريخ السودان باعتباره تاريخًا لتطور المواعين الحاضنة للهوية. فقبل الثورة المهدية كان المجتمع السوداني يتحرك داخل ماعونين رئيسيين اثنين: القبيلة بوصفها الوعاء السياسي، والطريقة الصوفية بوصفها الوعاء الاجتماعي والثقافي. غير أن تعدد القبائل وتعدد الطرق الصوفية أديا إلى تعدد مراكز الولاء، فلم تتوافر مرجعية واحدة تجمع السودانيين داخل مشروع جامع.

وتقوم فرضية هذا المقال، على أن المهدية كانت أول مشروع وطني نجح في توحيد هذين الوعاءين من خلال مركزية القيادة وموضوعية المهام، وأن الثمرة الحضارية لهذا التحول تجسدت أبهى تجلياتها في ثقافة أم درمان بوصفها نواةً للثقافة السودانية الجامعة.

أولًا: تعدد مراكز الولاء قبل المهدية

مثلت القبيلة المؤسسة السياسية الطبيعية في السودان، فمن خلالها تُمارس الحماية، وتُدار المصالح، وتتحدد الولاءات. لكنها كانت، بحكم طبيعتها، تنتج مراكز سياسية متعددة ومتفرقة، إذ كانت كل قبيلة تمثل دائرة انتماء مستقلة. وفي المقابل، أدت الطرق الصوفية دورًا اجتماعيًا وثقافيًا بالغ الأثر، إذ تجاوزت في كثير من الأحيان حدود القبيلة، ورسخت منظومة من القيم والسلوك والعلاقات الاجتماعية، لكنها هي الأخرى كانت متعددة ومتباينة، لكل طريقة مجالها وشيوخها وأتباعها. وهكذا ظل السودان يتحرك بين وعاء سياسي وآخر اجتماعي، دون أن يلتقيا في مرجعية وطنية واحدة.

ثانيًا: مركزية القيادة... توحيد مراكز الولاء

جاءت الثورة المهدية لتعيد تشكيل هذه المعادلة. فلم يكن إنجازها الأكبر إقامة دولة مستقلة فحسب، وإنما إنشاء مركز جديد للولاء يتجاوز القبيلة والطريقة الصوفية معًا، فقد استطاع الإمام المهدي، بما امتلكه من كاريزما دينية وسياسية، أن يجعل الدعوة المهدية مرجعية عليا، وأن يوظف الرصيد الاجتماعي الذي صنعته الطرق الصوفية في خدمة مشروع سياسي جامع، فلم تُلغِ المهدية القبيلة، ولم تُلغِ الطرق الصوفية، لكنها أعادت ترتيب العلاقة بينهما داخل مشروع واحد، فأصبحت القيادة المركزية هي الإطار الذي تنتظم داخله الولاءات المختلفة.

ثالثاً: موضوعية المهام... من وحدة المرجعية إلى وحدة الممارسة

ولم يكن توحيد القيادة كافيًا وحده، بل دعمه مبدأ عمليٌّ هو موضوعية المهام. فقد أصبحت المسؤوليات تُسند وفق مقتضيات الدعوة والدولة، لا وفق الانتماءات المحلية وحدها، وأدى ذلك إلى عمل أبناء القبائل والأقاليم المختلفة جنبًا إلى جنب في الجيش والإدارة والدعوة والأسواق، فتكونت بينهم علاقات يومية جديدة، تجاوزت حدود الانتماءات التقليدية، ورسخت شعورًا بالمشاركة في مشروع واحد. وهكذا تحوّلت وحدة المرجعية إلى وحدة في الممارسة.

رابعاً: أم درمان... الوعاء الحضاري الجديد

إذا كانت القبيلة هي الوعاء السياسي، وكانت الطريقة الصوفية هي الوعاء الاجتماعي والثقافي، فإن أم درمان مثلت الوعاء الحضاري الجديد الذي احتضن اندماجهما. فلم تكن مجرد عاصمة للدولة المهدية، بل كانت البيئة التي انصهرت فيها المكونات السودانية المختلفة في حياة يومية مشتركة، فتشكلت أنماط جديدة في اللغة والعادات والعلاقات الاجتماعية، لم تكن امتدادًا لثقافة قبيلة بعينها أو طريقة صوفية بعينها، وإنما كانت حصيلة التفاعل الطبيعي بين مكونات المجتمع داخل فضاء سياسي واجتماعي موحد.

خامسًا: الثقافة الجامعة... ثمرة المركز لا نقيض الهامش

ولا يعني ذلك أن المهدية خلقت الثقافة السودانية من فراغ، ولا أن أم درمان كانت النموذج الحضري الوحيد في السودان، فقد شهدت مدن أخرى تجارب مماثلة في التلاقح الثقافي. غير أن خصوصية أم درمان تكمن في أنها كانت الثمرة المباشرة لأول مشروع وحّد الوعاء السياسي والوعاء الاجتماعي في إطار وطني واحد. ومن ثم، فإن الثقافة التي تشكلت فيها ينبغي أن تُفهم بوصفها ثقافة جامعة، لا باعتبارها ثقافة مركز في مواجهة الهامش، بل باعتبارها نتيجة طبيعية لانصهار ثقافات السودان المختلفة داخل مشروع مشترك.

لقد نجحت المهدية، من خلال مركزية القيادة، في توحيد المرجعية، ومن خلال موضوعية المهام، في توحيد الممارسة. وكانت أم درمان هي المجال الذي تحوّلت فيه وحدة المرجعية ووحدة الممارسة إلى ثقافة سودانية جامعة. ولعل هذا هو الأثر الأعمق للمهدية؛ إذ لم يقتصر على بناء دولة، وإنما أسهم في تهيئة الشروط التاريخية لنشوء مرجعية ثقافية مشتركة، تستوعب التنوع السوداني وتجعله مصدر قوة، لا سببًا للانقسام.

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...