د. عثمان البشرى

 

مفهوم العمل السياسي -بعموده الفقري المتمثل في الأحزاب السياسية-، يعد الركن الجوهري للسياسة وصراعاتها على اختلاف شاكلاتها.

لم يتغلل ذلك المفهوم داخل الواقع السوداني، بالقدر الكافي والذي يجعل من السياسة ديناميكية للتطور أو حتى الإخفاق. ويعود ذلك لأسباب عدة من أهمها:

فكرة الرعاية الأبوية بمدلولاتها المختلفة (الناظر، العمدة، الشيخ... ألخ)، والتي حتمًا تقلل من فرضية الاحتكام للرأي و الاعتداد به، وبالتالي اختيار الطريق الأمثل في الانتماء طبقًا للبرامجية الحزبية.

يضاف إلى ذلك، التدخل المستمر للمؤسسة العسكرية في الشأن المدني، وحشر أنفها فيما لا يعنيها في اختيارات التجارب السياسية، وفرض الرأي والوصاية، وكأنما هي مبعوث العناية الإلهية للشعوب، أو ظل الله في الأرض الذي لا تشوبه شائبة، بالرغم من أن أهمية دورها في الحفاظ على الوطن واختيارات شعبه،

لا يعفي من ذلك: انتهازية المثقف، والذي يسعى الكثيرون منهم لتجيير السياسة والحزبية للتكسب بعيدًا عن رفاه الأحزاب والوطن.

ولعل في ذلك ازدواجية مقيتة، بين ما يبشر به وما يلبي أنانيته ومصلحته.

مجموع العوامل السابقة، أدى إلى ظاهرة أقرب ما تكون متفردة ومتعمقة في السودان، وهي الخلافات اللامنطقية بين كثير من أفراد المنظومة السياسية الواحدة.

قادتني الظروف إلى مناسبة اجتماعية بحتة، إلا أن الظاهر بالقاعة ينم عن الشىء الكثير ، فقد تراص القوم طبقًا لخلافاتهم متقسمين إلى مجموعات مختلفة.

اختلاف الرأي والمواقف، سمة إيجابية وطبيعة بشرية، فأفكار الأحزاب ليست قرءانًا مقدسا ولا تراتيب كنسية، إنما أفكار واجتهادات إنسانية، اجتمع حولها ثلة من القوم، يتفقون ويختلفون في وسائل تطبيق وتحديد الأهداف، بأغلبية أو بتوافقية.

الناظر لهذه الخلافات، قد يلحظ أحيانًا أنها خلافات تصنع من قبل جماعات وقوى داخلية أو إقليمية، رأت في ذاك الحزب السياسي معوقًا في سبيل تحقيق طموحاتها والسيطرة على موارد سواء كانت بشرية أم طبيعية، لذا تعمل على تأجيج دائرة الصراع باستقطاب أفراد لتحقيق منافعهم وطموحاتهم كلٌّ على شاكلته، وهنا تدخل شبهة المال السياسي ودوره الخطير، في تشرذم الجماعات واختلافاتهم، وإن كان من الصعوبة بمكان إثبات هذا التلوث على الأفراد، إلا من خلال الجهة التي لجأت لذلك.

فتصبح الأحزاب أقرب إلى فسيفساءات تحرك من قبل الآخرين. فيصبح حال الأفراد داخل الأحزاب فيما بينهم أقرب للأغنية (لا نلاقيهو... لا نتلاقى... لا نتلم).

وفي أحايين كثرة قد تعزى الخلافات إلى صراع القادة من أجل النفوذ والسيطرة والتحكم في مفاصل الحزب، في ظل غياب أمرين: مؤسسية حاكمة أو قائد ذات كاريزما يستطيع أن (يشكم ويحسم الخلافات).

ومما يؤسف له، أن خلافات القادة كثيرًا ما تؤدي إلى إضعاف الأحزاب أو (فرتكتها)، وتلك الخلافات لا تعتمد على منهجية إنما على سياسة ( like and dislike ) .

استثمرت الدكتاتوريات -على اختلاف مسمياتها- هذه الخلافات استثمارًا مقيتًا وعملت على إشعالها (المديدة حرقتني)، حتى تظهر الأحزاب والقوى المدنية في دور المتلاعب والانتهازي وغير الوطني، لخلق صورة في العقل الجمعي السوداني، بعدم صلاحيتها في المجتمع السوداني.

يمكن أن تحسم الخلافات داخل الأحزاب السياسية، عبر آليات معلومة في مؤتمراتها العامة أو هيئاتها الرقابية، الأمر الذي يستصعب كثيرًا من انعقادها أثناء الحرب، إلا الأحزاب الموالية للحكومة. وهنا تبرز منقصة في الدساتير الحزبية، والتي يجب أن تكون مواكبة لكل التغيرات التكنولوجية، حيث أشارت فقط إلى انعقاد مثل هذه التجمعات إلا حضورًا جسديًا، بينما يمكن تعديلها لتناسب واقع الحال.

إذًا، نحن أمام ظاهرة خطيرة، ظلت تؤرق العمل السياسي كثيرًا وتؤثر في مستقبله، مما يستوجب إعمالًا للعقل وإيجاد حلول عملية ومنطقية. حيث يستلزم التنزيل السليم لأفكار الحزب إلى منسوبيه بدلًا من اتباعهم سياسة الانقياد الأعمي، مع عدم الارتكان إلى الحالة التاريخية ودغدغة المشاعر بها، والتي غالبًا ما تؤثر وقتيًا وتفضي إلى حالات مضادة بذات الفهم.

كذلك مراجعة دساتير الأحزاب وتنقيتها من النقاط التأويلية والتي تفتح باب الخلاف.

وتبني آليات لحسم الخلافات والتفلتات عبر لجان معترف به ومفوضة تفويضًا غير منقوص.

فالأحزاب السياسية إذا أرادت أن تعيد تشكيل ملامح المجتمع على معاني الخير والحب والجمال وجب عليها التعافي الداخلي.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...