عامر علي الحاج

 

لفت حديث مني أركو مناوي الأخير الانتباه، ليس فقط بسبب تلويحه بالتمرد إذا أقدمت الدولة على رعاية تشكيلات مسلحة جديدة، وإنما لأن الرجل أعاد وضع هذا الموقف داخل ذاكرة سياسية وعسكرية تمتد إلى ما بعد 2003. فقد ذكّر بأن الدولة السودانية تعاملت مع الجنجويد بوصفهم قوة يمكن استخدامها، ثم استوعبتهم في حرس الحدود، ثم أعادت إنتاجهم في قوات الدعم السريع، التي بدأت تحت مظلة جهاز الأمن قبل أن تصبح قوة مستقلة ذات قانون وموارد ونفوذ. ومن هذه الزاوية، فإن اعتراض مناوي ليس على اسم مليشيا بعينها، بقدر ما هو اعتراض على الوصفة التي أنتجت الدعم السريع أصلًا.

وتزداد دلالة التصريح لأنه جاء بعد اجتماع مناوي، بصفته حاكمًا لدارفور وقياديًا في الكتلة الديمقراطية، مع لجنة الحوار التي كان قد أبدى تحفظات سابقة على مسارها. كأن الرجل يتحرك، في الوقت نفسه، من موقع القوة المسلحة إلى موقع الفاعل السياسي الذي يتحدث عن شكل الدولة التي ينبغي أن تنتهي إليها الحرب.

وهنا تتقاطع قضية مناوي مع موجة الانشقاقات المتوالية من الدعم السريع. قائد يخرج ومعه عشرات العربات، وآخر ومعه مئات المقاتلين، ثم آخر يعلن عودته إلى الجيش. عسكريًا، لا يصعب فهم قيمة ذلك: انشقاق القوة المعادية يضعف تماسكها، ويكشف حجم الضغط الذي أحدثته مكاسب الجيش، وقد يكون بالنسبة للقيادة العسكرية مكسبًا لا ينبغي رفضه لمجرد أن المنشق لم يقدم مراجعة سياسية مكتملة.

لكن الحرب السودانية لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية المكسب العسكري وحده.

السؤال الأهم هو: ماذا يفعل الجيش بهذه القوات بعد أن تنشق؟

هناك فرق بين أن يستقبل الجيش أفرادًا يتركون تنظيمهم السابق ويخضعون للمؤسسة وقواعدها، وبين أن يستقبل تشكيلًا متماسكًا بقائده ورجاله وعرباته وشبكات ولائه، ثم يمنحه مكانًا جديدًا داخل خريطة القوة. في الحالة الأولى نحن أمام تفكيك لقوة موازية. وفي الثانية قد نكون أمام إعادة توزيع لها.

وهنا تصبح عبارة مناوي ذات صلة مباشرة بالانشقاقات. فإذا كانت مشكلة السودان قد بدأت، في أحد وجوهها، عندما استخدمت الدولة قوة قبلية مسلحة باعتبارها وكيلًا أمنيًا، فلا ينبغي أن يكون سقوط الدعم السريع مناسبة لإنتاج وكيل جديد يؤدي الوظيفة نفسها، سواء سمي درعًا أو قوة خاصة أو حرسًا أو أي اسم آخر.

ولا ينبغي أيضًا أن يتحول الأمر إلى معيار قبلي. فإذا خرج مقاتل عربي من الدعم السريع، فحقه في الدولة لا يتحدد بكونه عربيًا، كما لا ينبغي أن يتحول خروجه إلى مبرر لبناء قوة عربية جديدة. وكذلك الحال مع أي مكون سوداني آخر. الدولة التي نبحث عنها بعد الحرب لا تحتاج إلى قوة تمثل القبائل؛ تحتاج إلى مؤسسة تمثل المواطنين.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: قد يكون انشقاق قائد ومئات من رجاله انتصارًا للجيش في معركة، لكنه لا يصبح انتصارًا للدولة إلا إذا انتهى بانتهاء التشكيل المسلح نفسه، لا بإعادة تدويره داخل مؤسسة أو تحالف جديد.

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح على كل منشق ليس فقط: لماذا تركت الدعم السريع؟ بل أيضًا: لماذا قاتلت معه أصلًا؟ وما القضية التي كنت تحمل السلاح من أجلها؟ وما الذي تغير في موقفك؟ وما مسؤوليتك عما حدث؟

لا تعني هذه الأسئلة رفض عودة المنشقين، ولا تمنح الجيش رفاهية رفض مكاسب الحرب. لكنها تضع حدودًا بين استقبال المقاتل وتبني التشكيل، وبين المصالحة والإفلات من المسؤولية.

لقد كشفت الحرب أن السودان لا يعاني فقط من تعدد البنادق؛ بل من نظام سياسي وأمني ظل ينتج البنادق كلما عجز عن بناء الدولة.

ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي لانتصار الجيش ليس عدد القوات التي تنشق عن الدعم السريع، وإنما ما إذا كان هذا الانشقاق سيقود إلى جيش واحد ودولة واحدة ومعيار واحد للمواطنة، أم إلى توزيع جديد للقوة المسلحة بين وكلاء جدد.

فالمطلوب في النهاية ليس أن ننتصر على الدعم السريع فقط، بل أن نبني الدولة التي لا تستطيع، ولا تحتاج، أن تصنع دعمًا سريعًا آخر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...