أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم

تحولت الحرب السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى صراع مدعوم إقليميًاً بشكل واسع تتداخل فيه مصالح معقدة، وشبكات تهريب، وتمويل ضخم يعتمد على الذهب والصمغ... وغيرهما. ومع استمرار المعارك، تتزايد الأدلة على أن أطرافًا خارجية تلعب دورًا محوريًا في إطالة أمد الحرب عبر دعم عسكري ولوجستي مباشر وغير مباشر، ما جعل السودان ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي ودولي.

فمَنْ يدعم الدعم؟

الإمارات: دعم نوعي عبر الجو والذهب

تُعد الإمارات أبرز الدول المتهمة بدعم قوات الدعم السريع. تقارير بحثية ودبلوماسية وثّقت أكثر من (122) رحلة شحن عسكرية من مطارات إماراتية إلى تشاد خلال العامين الماضيين، يُعتقد أنها حملت أسلحة وذخائر وطائرات مسيّرة، قبل نقلها برًا إلى دارفور عبر شبكات تهريب منظمة.

وتشير هذه التقارير إلى أن الدعم شمل بنادق هجومية، رشاشات ثقيلة، قاذفات RPG، عربات دفع رباعي معدّلة، وطائرات مسيّرة قتالية واستطلاعية. كما تحدثت مصادر عن وجود خبراء أجانب لتدريب مقاتلي الدعم السريع داخل ليبيا، في معسكرات يشرف عليها مرتزقة مدعومون ماليًا.

اقتصاد الحرب المرتبط بالذهب يشكل محورًا أساسيًا في هذا الدعم. فقد استوردت الإمارات نحو (96.8٪) من صادرات الذهب السوداني الرسمية في 2024م، بقيمة تقارب (1.57) مليار دولار، إضافة إلى كميات كبيرة من الذهب المهرّب عبر تشاد وأفريقيا الوسطى.

وتقدّر دراسات أن قوات الدعم السريع تجني ما بين (1 إلى 2) مليار دولار سنويًا من الذهب والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالحرب، ما يمنحها قدرة مالية كبيرة على شراء السلاح وتمويل عملياتها.

أيضًا الإمارات لها استراتيجية في أفريقيا تبدأ بما يسمى بـ"تأمين الحلفاء" والسيطرة على الموانئ وترميمها وإدارتها في حزام السافنا من باب المندب والبحر الأحمر إلى السنغال غربًا.

تشاد وليبيا ممران لوجستيان مفتوحان:

لا تُتهم تشاد بالدعم العسكري المباشر، لكنها تُعد ممرًا أساسيًا لمرور الأسلحة والوقود والذخيرة إلى قوات الدعم السريع. مطار أم جرس في شمال تشاد أصبح نقطة محورية لاستقبال شحنات قادمة من الإمارات، قبل نقلها برًا إلى دارفور عبر طرق حدودية يصعب مراقبتها.

أما ليبيا، وتحديدًا المناطق الخاضعة للجنرال خليفة حفتر، فتُستخدم كمنصة لتزويد الدعم السريع بالوقود والذخيرة، إضافة إلى معسكرات تدريب في الجنوب والشرق يشرف عليها مرتزقة أجانب، ما يعزز قدرات الدعم السريع في استخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة.

روسيا: الذهب مقابل السلاح:

تقارير أمريكية تربط بين شبكات مرتبطة بروسيا وبين دعم قوات الدعم السريع بمنظومات دفاع جوي وصواريخ بر- جو، مقابل تهريب نحو (32.7) طن من الذهب بقيمة تقارب (1.9) مليار دولار عبر أفريقيا الوسطى، حسب بعض التقارير.

وجود قوات "أفريكا كوربس" (فاغنر سابقًا) في أفريقيا الوسطى أسهم في تسهيل مرور شحنات السلاح عبر الحدود إلى دارفور، ما جعل روسيا لاعبًا غير مباشر في الصراع.

فمن يدعم الجيش السوداني:

مصر: دعم الجيش لحماية النظام البرهاني:

على الجانب الآخر، تتلقى القوات المسلحة السودانية دعمًا من مصر، التي ترى في انهيار الدولة السودانية أو بالأحرى سقوط البرهان أو حكم العسكر، تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. يشمل الدعم تدريب قوات سودانية، وتزويد الجيش بقطع غيار للطائرات، ودعم استخباراتي.

كما تشير تقارير إلى تزويد الجيش بطائرات تدريب وهجوم خفيف من طراز K-8، إضافة إلى تنسيق عمليات عبر ممر حلفا شمال السودان.

المملكة العربية السعودية:

في الآونة الأخيرة دخلت كلاعب وربما في إطار الصراع مع الإمارات وإيران، فلا تريد أن تترك الجارة التي تشاركها البحر الأحمر، فبعض المعلومات تشير لتمويل صفقات سلاح من باكستان وأيضًا تدخل استخباراتي مباشر وظهور بعض عناصر الدعم المنشقين في السعودية وحديث عن إغراءات مالية لهذه العناصر.

تركيا وإيران: دخول تدريجي على خط الجيش

تركيا قدمت دعمًا تقنيًا للجيش السوداني، يشمل طائرات مسيّرة من طراز بيرقدار ومعدات مراقبة واتصالات، في إطار دعم مؤسسات الدولة والجيش ضد الميليشيات ومن أجل تعاطفها مع مجموعات الإخوان السودانيين الذين يعملون مع البرهان ويدعمونه سياسيًا ويسيطرون على مفاصل الدولة ويدعمونه عسكريًا عبر كتائبهم العسكرية وأيضًا لهم وجود كبير في تركيا وأموال.

أما إيران، فقد دخلت على خطِّ الدعم خلال العام الماضي عبر تزويد الجيش بطائرات مسيّرة قتالية وخبراء في الحرب الإلكترونية، بهدف تعزيز نفوذها في البحر الأحمر وموازنة الدور الإماراتي.

أمريكا وأوروبا:

عبر المبادرات والمؤتمرات يحاولون إيقاف الحرب، وأمريكا تنشط عبر مسعد بولس الذي لم يستطع أن يحدث اختراقًا عبر دبلوماسية كسولة متساهلة، بل تستمر الإدارة في فرض عقوبات على أفراد وشركات ولا يريدون إغضاب الحلفاء في الإقليم الذين تتناقض مصالحهم وليس من المتوقع أن تقوم أمريكا وحلفائها بدور أكبر عبر مجلس الأمن والفصل السابع أو دعم تدخل عبر قوات من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وسوف تحاول أن تعمل عبر الرباعية والخماسية لإيجاد حلٍّ يرضي جميع الأطراف، نرى استحالته في راهن اللحظة لتناقض المصالح بشكل كبير.

تأثير التدخلات على مسار الحرب:

أدت هذه التدخلات إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد الحل السياسي، بعدما تحولت إلى صراع إقليمي بالوكالة. كما أسهمت في زيادة عدد الضحايا، وتدمير البنية التحتية، وتهديد أمن البحر الأحمر ودول الجوار. وعلى الرغم من نفي الأطراف الخارجية تقديم دعم عسكري مباشر، إلا أن الأدلة المتداولة حول الرحلات الجوية، وشحنات السلاح، وتدفقات الذهب، تشير إلى أن حرب السودان لم تعد شأنًا داخليًا، بل جزءًا من صراع إقليمي واسع يعاد تشكيله على حساب الشعب السوداني. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن (93%) من الشعب السوداني يريد إيقاف هذه الحرب العبثية اللعينة. وسوف لا تقف إلا إذا تناقص تضارب المصالح الإقليمي والدولي الذي يغذيها وضَمِنَ كلُّ طرف أن مصالحه مصانة ولو على حساب الشعب السوداني، وهنا تكون أطراف الحرب مجرد بيادق في لعبة مصالح خارجية. وأيضًا يغيب دور القوى المدنية السياسية السودانية التي انقسم بعضها بين دعم الجيش أو دعم الدعم أو في تحالفات ضعف، وهي في حالة عجز بائنة في تشكيل تحالف واحد قوي يتفق على شكل المستقبل على غرار التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف التسعينيات.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...