عامر علي الحاج
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة تاريخ الدولة السودانية أننا نتعامل مع الأول من يناير ١٩٥٦ باعتباره لحظة ميلاد دولة وطنية مكتملة، ثم نبحث عن أسباب فشلها في سلوك النخب التي ورثت السلطة وحدها. لكن السودان الذي استقل في ذلك اليوم لم يكن دولة وطنية مكتملة التكوين، وإنما كان دولة استعمارية يجري تفكيكها وإعادة تركيبها في اللحظة نفسها التي انتقلت فيها السلطة إلى السودانيين.
كان البريطانيون قد أداروا السودان وفق نموذج معقد من الحكم، جمع بين الإدارة المركزية الاستعمارية وأشكال متعددة من الحكم المحلي، وكان من أهمها "الإدارة الأهلية"، التي ارتبطت بفلسفة الحكم غير المباشر التي تطورت بصورة خاصة في التجربة البريطانية في نيجيريا، ثم طُبقت وتكيّفت في مستعمرات أخرى. ولم تكن الإدارة الأهلية مجرد احترام للتنوع السوداني؛ فقد كانت أيضًا وسيلة لإدارة السكان من خلال زعامات محلية، وتقليل كلفة الإدارة، وإسناد وظائف قضائية وإدارية إلى النظار والشيوخ والعمد، مع احتفاظ السلطة الاستعمارية بالسيطرة النهائية.
ولم يكن السودان يُدار بهذه الطريقة المتساوية في كل مناطقه. كانت هناك سياسات وترتيبات مختلفة للجنوب، ولدارفور، وللشرق، ولغيرها من المناطق. وفي الجنوب خصوصًا أدت السياسات الاستعمارية إلى نشوء تجربة إدارية وتعليمية وسياسية مختلفة بوضوح عن الشمال. وهكذا خرج السودان من الاستعمار بجغرافيا سياسية واحدة، لكن بتجارب مختلفة جدًا في علاقة المجتمعات بالدولة.
وهنا تكمن المفارقة التي لم تنتبه إليها النخبة الوطنية بما يكفي.
لقد ورث السودانيون دولة استعمارية لم يكن هدفها أن تصنع "سودانًا" موحدًا في السياسة والثقافة والإدارة، ثم حاولت النخب الوطنية بعد الاستقلال أن تبني دولة حديثة باستخدام كثير من الأدوات المركزية التي ورثتها من الدولة الاستعمارية، بدلًا من أن تعيد تأسيس العلاقة بين هذه المجتمعات والدولة على قاعدة المواطنة والمشاركة.
لم تكن المشكلة أن تستمر دولة الاستقلال في نموذج الإدارة الأهلية؛ فهذا النموذج نفسه كان جزءًا من الإرث الاستعماري الذي ينبغي تجاوزه. المشكلة أن تفكيك الإدارة الاستعمارية لم يتحول إلى بناء دولة وطنية لامركزية تستوعب الاختلاف، وإنما تحول تدريجيًا إلى بناء مركز سياسي قوي يحاول توحيد السودان من أعلى.
وهنا يجب التمييز بين الوحدة والتوحيد.
الوحدة تعني أن يعيش المختلفون داخل دولة واحدة بعقد سياسي مشترك، بينما يعني التوحيد محاولة جعلهم متشابهين في علاقتهم بالدولة وبالمركز. السودان لم يكن بحاجة إلى أن يصبح أهل الشرق والغرب والجنوب والشمال نسخة واحدة للإنسان السوداني، وإنما كان بحاجة إلى مواطنة واحدة تسمح لهم بأن يكونوا مختلفين داخل دولة واحدة.
لذلك لا تبدأ أزمة الجنوب في يناير ١٩٥٦، كما لا يمكن تحميل الدولة الوطنية وحدها مسؤولية نشأتها. لكن من الصعب أيضًا إنكار أن الدولة المستقلة ورثت مشكلة مركبة، ثم أسهمت سياساتها المركزية في تعقيدها. ومنذ الستينيات ظهرت تعبيرات إقليمية وسياسية في الجنوب والشرق ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها، بما يعكس، بدرجات مختلفة، أزمة العلاقة بين المركز والأطراف.
ولهذا ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم مختلفًا: هل المطلوب الدفاع عن "دولة ١٩٥٦" أم هدمها؟
لا هذا ولا ذاك.
المطلوب هو إكمال المهمة التي لم تنجزها دولة ١٩٥٦: تحويل الدولة الموروثة من الاستعمار إلى دولة وطنية حقيقية؛ دولة تكون فيها المواطنة أساس العلاقة السياسية، واللامركزية وسيلة لتوزيع السلطة، والتنمية حقًا لا منحة، والتنوع الثقافي مصدرًا للثراء لا تهديدًا للوحدة.
فالدفاع عن السودان لا يعني الدفاع عن مركزية الخرطوم، كما أن تجاوز نموذج ١٩٥٦ لا يعني هدم السودان.
ربما يكون العكس هو الصحيح: إنقاذ السودان قد يتطلب أخيرًا أن نكمل بناء الدولة التي بدأ استقلالها عام ١٩٥٦ ولم يكتمل بناؤها حتى اليوم.




التعليقات (0)
جاري التحميل...