طاهر المعتصم

 

بهذه العبارة البسيطة اختصر أحد النازحين في مدينة أم دافوق، كما نقل برنامج سلام سودان على "بي بي سي"، حكاية وطن كامل. لم يتحدث الرجل عن انتصارات عسكرية، ولا عن خرائط السيطرة، ولا عن موازين القوى. كان يبحث عن شيء أصبح في السودان أكثر ندرة من أي شيء آخر: الأمان.

وفي شهادة أخرى، روت امرأة كيف غادرت منزلها على عجل، تاركة خلفها كل ما تملكه، وهي لا تعلم إن كانت ستعود يومًا إلى بيتها أم سيبقى مجرد ذكرى. أما الأطفال الذين أورد شهادتهم التقرير، فلم تكن أحلامهم تتجاوز العودة إلى مدارسهم، واللعب في أحيائهم، والنوم ليلة كاملة دون أن يوقظهم صوت الرصاص.

هذه الشهادات ليست مجرد مشاهد إذاعية عابرة، بل وثائق إنسانية ينبغي أن تُعرض كل صباح على طاولات من يصنعون القرار ويحملون السلاح. ففي أم دافوق لا يتحدث الناس عن كسب الحرب، بل عن خسارة الحياة. ولا يسألون عن مَنْ يسيطر على الأرض، بل متى يعودون إليها.

ولعل أكثر ما يؤلم أن المدن الحدودية، التي كانت عبر التاريخ بوابات للتجارة والتواصل بين الشعوب، تحولت إلى محطات نزوح وملاجئ مؤقتة للفارين من وطنهم. وكأن الجغرافيا أصبحت أكثر رحمة من السياسة، وأقرب إلى المواطن من أصحاب القرار.

لقد أثبتت هذه الحرب، مرة أخرى، أن المدنيين هم الخاسر الأول والأخير. وأن أي حديث عن انتصار يفقد معناه عندما يُدفع الأطفال إلى الخيام، وتُقتلع الأسر من بيوتها، وتتحول أسماء المدن إلى عناوين في نشرات الإغاثة بدلًا من أن تكون محطات للحياة والعمل والأمل.

إن الرسالة التي خرجت من أم دافوق ليست موجهة إلى المجتمع الدولي وحده، بل إلى كل الأطراف السودانية. فالسلام ليس تنازلًا، بل مسؤولية وطنية. والحوار ليس ضعفًا، بل شجاعة تنقذ ما تبقى من البلاد. أما استمرار الحرب فلن يورث إلا مزيدًا من أم دافوق، ومزيدًا من الخيام، ومزيدًا من الأطفال الذين سيكبرون وهم لا يعرفون عن وطنهم سوى الحكايات.

من على الشرفة، تبدو أم دافوق مدينةً بعيدة على الخريطة، لكنها اليوم أقرب المدن إلى ضمير السودان. ورسالتها إلى صناع الحرب واضحة ولا تحتمل التأويل: لا تُقاس الأوطان بعدد المدن التي يسيطر عليها المتحاربون، بل بعدد المواطنين الذين يستطيعون العودة إليها آمنين.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...