إمام الحلو
22/9/2026
القاهرة
اسأل الله الرحمة والمغفرة للفقيدين، المهندس داوود يحى بولاد والدكتور التجاني عبدالقادر.. واسأل الله أن يتقبلهما في جنات النعيم مع السابقين الأولين..
في أحد مجموعات التواصل الاجتماعي (واتساب) تضم عدد مقدر من المثقفين المهتمين بالشأن السوداني، ورد مقال حديث عن دكتور التجاني عبدالقادر إثر رحيله المفاجئ يوم الجمعة الماضي الموافق 18 سبتمبر. وتضمن المقال أحداث ربطت بين المهندس داوود يحى بولاد والدكتور التجاني عبدالقادر.
ما ورد في المقال اعلاه.. أثار شجون وذكريات عايشتها مع الفقيدين في سجن دبك عام ١٩٧٥.. ونحن طلاب في جامعة الخرطوم.. وكنت علقت باختصار مصححا بعض المعلومات الواردة في دلك المقال بحكم معايشتي لتلك الأحداث، وقطعت وعدا على نفسي أن اكتب لهم من الذاكرة قليل من التفصيل لبعض مشاهداتي أثناء تلك الأحداث، وشجعتني على ذلك سيدة جليلة في المجموعة، وها أنا ذا أستعصر ما سكن في دهاليز الذاكرة طوال هذه السنوات التي تجاوزت نصف قرن من الزمان.
من كوبر إلى دبك
اعتقلت في بداية ديسمبر (1975) مع مجموعة من دفعتي من طلاب كلية الهندسة. وتم تحويلنا من سجن كوبر.. الى سجن دبك شمال الخرطوم بحري.. والذي اعيد ترميمه وتأهيله خصيصا لاستيعاب معتقلي طلاب جامعة الخرطوم!! (سجن دبك.. بناه الانجليز عام (1955).. سجن صغير المساحة على الضفة الشرقية للنيل شمال مدينة الجيلي.. وتم هجره بعد خروج المستعمر البريطاني.. ولم يستخدم بعد ذلك. الى ان ضاقت سجون نميري في العاصمة.. بسكانها. من مختلف الانتماءات والاجيال)..
كنا في سجن كوبر في حوش الطوارئ مجموعة من طلاب جامعة الخرطوم (حزب امة واخوان مسلمين وشيوعيين) مع مجاميع من القادة السياسيين المعتقلين عقب انقلاب حسن حسين في ٥ سبتمبر ٧٥.. وكان هناك آخرين قبل ذلك الانقلاب..
تم وضعنا في حوش الطوارئ وهو حوش كبير على الطرف الشمالي الشرقي من سجن كوبر بمساحة تقرب من مساحة ملعب كرة القدم.. وضعت فيه صيوانات من الخيام وكل معتقل كان يصرف له "نمرة" عبارة عن فرشة من مشمع وبطانية.. وكان الفطور عبارة عن فول مصري (مخمر) يأتي في صفيحتين أو ثلاثة، ومعه رغيف شبه يابس يعرف باسم "الجراية"، وفي الغداء يأتون بالجراية ومعها مُلاح " كمندان"، وهو طبيخ من الباذنجان الأسود، وأحيانا يعرف بمُلاح البراطيش. أما بالنسبة للشاي، كان يوجد موقد كهربائي يوضع عليه صفيحة ماء ويستغرق غلي الماء أكثر من ساعتين ثلاثة، لأن إدارة السجن خفضت فولتية القابس الوحيد في حوش الطوارئ!! بسبب احتياطات السلامة وربما لأسباب أمنية.
عندما تم تحويل كل الطلاب الى سجن دبك في يناير (كان ذلك بترتيب من ادارة جامعة الخرطوم.. عمادة الطلاب...!!).. وجدنا سجن دبك اشبه بالفندق ثلاثة نجوم. حيث تولت جامعة الخرطوم ادارة كافة شئون السكن والمعيشة من سرائر وفرش وناموسيات.. والأكل ثلاث وجبات مع الفاكهة تأتي يوميا من مطابخ الجامعة. وفي نفس توقيت فتح السفرة في داخليات الجامعة.. حتى وجبات يوم الثلاثاء (special meal) كانت تصل في الموعد!
وحقيقة لم يكن هناك تفسير لهذا الوضع المرفه، غير أن جامعة الخرطوم وقتها كان لها تقدير مجتمعي وربما سياسي في تلك الأيام والظروف. فقد كانت الجامعة مشحونة بالمعارضة السياسية لنظام مايو وكان للأحزاب السياسية وجود كثيف وسط الطلاب، ظهر نشاطها في الندوات السياسية وانتظام الصحف الحائطية في منصة قهوة النشاط..( قهوة النشاط هي كافتيريا صغيرة، تقع وسط باحة داخل الجامعة على مدخل البوابة الغربية لمجمع كليات الجامعة وغرب كلية القانون ويحدها الميدان الغربي (ملعب كرة القدم) من الناحية الغربية.. ويجاورها صالون الحلاقة الشهير (صالون حمودة الحلاق) وبجانبها مظلة عليها "بوردات" تعلق عليها الصحف الحائطية اليومية وأهمها صحيفة "آفاق جديدة" التابعة لحزب الامة القومي، وصحيفة "آخر لحظة" التابعة لتنظيم الاتجاه الإسلامي /الأخوان المسلمين، وصحيفة (مساء الخير) التابعة لتنظيم الجبهة الديمقراطية/الحزب الشيوعي.
سجن دبك يتكون من قسمين منفصلين يفصل بينهما حائط داخلي. في كل قسم ثلاث عنابر، العنبر طوله حوالي عشرة أمتار وعرضه أربعة أمتار تقريبا. وفي كل عنبر يوجد صفين من الأسرة ذات الطابقين أحضرت من سراير داخليات جامعة الخرطوم.. الصف الواحد به خمسة أسرة أي أن العنبر الواحد به حوالي 20 طالب. ويتوسط العنابر الثلاث باحة صغيرة ظليلة بها أشجار النيم وفي مدخل السجن توجد مكاتب الإدارة وهي عبارة عن ثلاث غرف بينها بهو ينتهي بباب من السياج الحديدي..
ويحيط بكل تلك المباني سور مبني من الحجر وفي أعلاه الأسلاك الشائكة. وهو أشبه بسور سجن أم درمان القديم بحي الملازمين، لكنه قصير بعض الشيء وارتفاعه لا يتعدى أربعة أمتار. وفي الأركان الأربعة من السور، برج المراقبة (الديدبان).. لكن لم يكن هناك حراس على أبراج المراقبة الأربعة في بداية وجودنا بالسجن !!..
كان مدير السجن ضابط برتبة عميد، يساعده ضابطان أخران وعدد من الشاويشية والعساكر من مصلحة السجون.. أذكر أن أحدهم كان أنصاريا برتبة صول، وكان رؤوفا بالطلاب ويتعدهم بالعناية والمؤانسة معهم متى ما كان الجو خاليا من الضباط والمراقبة اللصيقة.. كنا كعهدة لديهم من جهاز الأمن والمخابرات وكان الضابط الأمني المسئول من أمن الجامعة يدعى علي نميري. لا أعرف ان كان له قرابة من جعفر النميري أم لا. وكانت التحقيقات تتم في مكاتب الأمن في الخرطوم، تأتي عربة خاصة من جهاز الامن وتأخذ مجموعة من المعتقلين منذ الصباح وتتم إعادتهم قبل موعد التمام الثاني.
التمام في نظام السجون يتم فيه عد المساجين أو المعتقلين على صفوف متراصة، في كل صف يجلس القرفصاء خمسة أفراد، ويسمى هذا الترتيب بنظام "الخمسات".. وعادة يعد العسكري الصفوف ويتأكد من أن الصف الأخير فيه العدد النهائي من باقي القسمة على خمسة، في حالتنا كان العدد في الصف الأخير ثلاثة..
النشاط داخل السجن
كان اغلب المعتقلين في سجن دبك من قادة اتحاد الطلاب وقادة الاتجاه الإسلامي، وعدد من القيادات الطلابية من حزب الأمة والحزب الشيوعي وبعض من الاتحاديين، وكان الحزب الحاكم وقتها هو الاتحاد الاشتراكي السوداني، الذي احتل فرعه في الجامعة مباني اتحاد الطلاب وسيطر على كافة مرافق الخدمات التابعة للاتحاد.
كان معنا في المعتقل من قيادات الأخوان المسلمين، داوود بولاد (رئيس الاتحاد المنتخب) والتجاني سراج ومحمد عثمان مكي وبكري عثمان السعيد وفاروق احمد ادم ومحمد حسن الامين وبابكر حنين وحسن مكي وعبيد حاج الأمين وآخرين.. ومن طلاب الثانويات عدد قليل منهم حسين خوجلي. ومن حزب الامة المرحوم الصادق ميرغني زاكي الدين وامام الحلو واخرين، ومن الاتحاديين عصام وآخرين ومن الشيوعيين هاشم وآخرين.
كان التمام يؤخذ مرتين في اليوم الأول في الساعة الخامسة صباحا والثاني في الساحة الخامسة عصرا، وبين هاتين الفترتين وبعدهما يمارس الطلاب نشاطات مختلفة من حلقات قرآنية ودروس لغات (بدأتُ دراسة اللغة الفرنسية على يد استاذنا العبيد حاج الأمين)، ومحاضرات فكرية وندوات، وفي العصر نشاط رياضي عبارة عن مباراة لكرة القدم في ميدان فسحة صغيرة من الناحية الجنوبية داخل السجن. وفي أسفل الحائط الفاصل بين القسمين توجد فتحة صغيرة – لا تمرر الشخص- على الطرف الشرقي منه، يتواصل ويتحدث منها المعتقلين من الجانبين.
على أن أهم نشاط ترويحي كان نشرة الأخبار الصباحية.. فبعد التمام الأول وشرب الشاي باللبن، يأتي بابكر حنين في عنبرنا، لأذاعه نشرة الاخبار الصباحية من تأليفه وإخراجه، يستخدم فيها جموح خياله بأحداث يتصورها من وحي اللحظة وأماني بتصاعد وتيرة المعارضة لنظام نميري، وكانت الإذاعة عبارة عن السرير الأسفل من السرير أبو طابقين (Double deck)، مغطى بالملايات من كل الجوانب، ويجلس بابكر حنين في داخله ويقرأ علينا نشرة الأخبار الصباحية. بابكر حنين صار لاحقا مؤسسا ومديرا لقناة النيل الأزرق الفضائية في عهد نظام الإنقاذ البائد.
وصول التجاني عبد القادر
كان جهاز الامن يجِد في مطاردة الطلاب الناشطين سياسيا خاصة أعضاء الاتحاد وقيادة الأحزاب من الاتجاه الإسلامي وحزب الامة والحزب الشيوعي، وبين الفنية والأخرى من الأيام يضاف لنا واحد أو اثنين من الطلاب المعتقلين.. في أحد الأيام من شهر فبراير/مارس، أدخل علينا عدد من الطلاب المعتقلين الجدد، تم اعتقالهم من داخل الجامعة التي كانت تعج بالمظاهرات والندوات المعارضة لنظام مايو.. وكانت العادة أن نلتقي بالمعتقلين الجدد بعد التمام الثاني في باحة السجن.. يعرفون عن أنفسهم ويقدمون تقريرا شفاهيا عن الأوضاع في الخرطوم والأحداث السياسية من مظاهرات واضرابات من طلاب الجامعات والنقابات..
في ذلك اليوم هلّ علينا خمسة من الطلاب المعتقلين كان من بينهم المرحوم عبدالحليم الترابي ومن بينهم طالب صغير الحجم هادئ الحركة، عرّف نفسه باسم لا أذكره الأن، لاحقا اتضح أنه الطالب التجاني عبدالقادر رئيس الاتحاد الجديد المختفي والذي تم تكليفه برئاسة الاتحاد بعد اعتقال الرئيس المنتخب داوود يحى بولاد..
كان التجاني عبد القادر رئيس الاتحاد الجديد غير معروفا بشخصه لدى أجهزة الأمن وحتى لعدد كبير من طلاب الجامعة خاصة من هم في الاعتقال.. ولأنه عندما تم تكليفه برئاسة الاتحاد بعد بولاد، كنا وقتها معتقلين داخل سجون نظام مايو.. ومن المفارقات الأمنية، شاع أن التجاني عبدالقادر المختفي كانت تبحث عنه مجموعة مخصصة من جهاز الأمن، منذ أن أعلن عنه رئيسا للاتحاد، إلا أنها فشلت في العثور عليه رغم تواجده في الخرطوم وقيادته للحركة الطلابية في جامعة الخرطوم.. وتم اعتقاله بالصدفة مع عدد محدود من الطلاب خلال ندوة نظمها الاتحاد داخل داخليات الجامعة وداهمتها أجهزة الشرطة والامن واعتقلت منهم الخمسة المذكورين وكان من ضمنهم التجاني عبدالقادر الذي عرّف نفسه باسم مستعار (وقتها لم يكن هناك بطاقات هوية رسمية يتعامل بها لدى بوابات الجامعة، ولم تكن هناك حراسات على هذه الأبواب، حيث يدخل الناس عامة طلاب وغير طلاب دون منع او تفتيش).
تم تقديم التقرير الإيجازي من الضيوف الجدد ومن بينهم رئيس الاتحاد المختفي بالاسم المستعار. وعلى ما أذكر كان من ضمن تقرير المرحوم عبدالحليم الترابي- - أنه أفاد بأن الإذاعة شغالة!! (تمكن اتحاد الطلاب من تشغيل إذاعة محلية في نطاق العاصمة تبث أخبار المظاهرات والبرامج المعارضة لنظام نميري).. وكان هذا من أهم الأخبار التي يسأل عنها الناس في داخل المعتقل.
استمر الحال هادئا وروتينيا داخل السجن، ما عدا يوم الزيارة الأسرية يوم الإثنين من كل أسبوع. يكون فيه الناس مبتهجون بزيارة من أفراد الاسرة – لا يسمح بغير ذلك- بينما كان التجاني قليل الكلام والظهور، تحسبا من انكشاف أمره. كان داوود بولاد منعزلا بعض الشيْ، تراه يحمل مصحفا في يده ويدور بمحاذاة سور السجن وهو يتلو القرآن، ساعيا لاستكمال حفظه.
ليلة الهروب الكبير
في صبيحة يوم من أيام مارس/أبريل، يوم عادي لا يثير الريبة، علمنا أن داوود والتجاني اختفيا! لم نلحظ شيئا في التمام الأول، لقد تم العد كما هو في العادة بالطريقة السريعة في عد الصفوف والصف الأخير.. وكان العسكري يؤدي مهمته الرتيبة بسرعة وعدم انتباه. لكن في الحقيقة كان هناك صفين من الصفوف فيهما أربعة نزلاء بدلا من خمسة لم ينتبه لهما العسكري لحسن الحظ، والصف الأخير فيه ثلاثة، وهذا هو الرقم الأهم في عملية التمام.
واستمر هذا التمويه ليومين، حتى اطمأن مدبري الهروب بوصول الرئيسين إلى مكان آمن في الخرطوم. وفي اليوم التالي وفي التمام الثاني ظهر في اخر صف طالب واحد بدلا من ثلاثة!!. ومباشرة ذهب العسكري للبحث عن النقص في داخل العنابر وفي الحمامات ولم يجد أحدا.. وبسرعة أطلق من الصافرة صوت يوحي بوقوع مصيبة، وبسرعة ظهر الضابط المناوب والعساكر الموجودين في الوردية أمامنا ونحن مازلنا جلوس في وضع القرفصاء. حدث هرج ومرج لفترة قصيرة جدا، وظهرت بوادر الهلع والتوتر على وجه الضابط والعساكر، وبدأ العساكر يعدون الجلوس عدا فرديا من جديد وبعضهم دخل العنابر والحمامات للتفتيش والبحث عن المفقودين لكن بلا فائدة. وعندئذ أحضر الضابط كشف قائمة الأسماء وبدأ "ينده" الاسم ويجيب صاحبه بنعم. وبالطبع لم يجيب داوود بولاد ولا الاسم المستعار للتجاني عبدالقادر.
طبعا تغير الحال في السجن بعد ذلك، وكان أول رد فعل مباشر في نفس المساء أن طلع أربعة عساكر "ديدبان" في أبراج المراقبة الأربعة أعلى سور السجن. وتم تغيير طاقم السجن بما فيهم المدير.. وأصبح الجو لفترة ليست بالقصيرة خاليا من روح الألفة السابقة بين السجان والسجين.. (كان يأتي العسكري الانصاري عادة في منتصف النهار يجلس في باحة السجن ويتحلق حوله بعض الطلاب يتبادلون الحديث والنكات.. وعندما كانوا يهاجمون النظام وجعفر النميري، يصمت العسكري ويقول: يا أولادي الله يولي من يصلح).
تبين لنا بعد ذلك أن عملية الهروب تمت بتخطيط محكم وبسرية تامة بواسطة مجموعة صغيرة في المعتقل من قادة الاتجاه الإسلامي/الأخوان المسلمين. وعلمنا أنه قبيل صلاة الفجر بقليل تسلق بولاد والتجاني سور السجن من الناحية الشرقية تجاه النيل بواسطة سرير من أسرة الجامعة تم ركزه على حائط السور في وضع رأسي ومنه تجاوزا الاسلاك الشائكة، وهبطا قفزا إلى الأرض مباشرة وسط الظلام الدامس والحشائش البرية، وانطلقا لا يلويان على شيء صوب رحاب الحرية والمجهول.
مفارقات
وأنا اتأمل هذا المشهد كأنما شريط سينمائي يرصد أحداث محدودة في لحظة نضالية تاريخية. فلم سينمائي أبطاله قادة في الحركة الطلابية في ذلك العهد الأغبر لنظام مايو البغيض. فيلم يرصد أحداث خاصة لفترة 6 أشهر فقط.. إذ أطلق سراحي في منتصف شهر يونيو (1976)، وعدت مباشرة إلى داخلية الجامعة لمواصلة دراستي، إلا أنه بعد أسبوعين فقط اندلعت انتفاضة يوليو المسلحة في الثاني من يوليو!
وأنا أسترجع هذا الشريط من الذكريات، جال بخاطري أننا في تلك الأيام كنا نعتبر أن نظام مايو وأجهزته الأمنية القمعية، نظام باطش تحكمه طغمة من السفاحين والأمنجية وجماعة مثقفي الاتحاد الاشتراكي من الانتهازيين الوصوليين والمصلحجية. وكانت جامعة الخرطوم في تلك الأيام تقود الحركة الطلابية في مقاومة نظام مايو بقيادة إتحاد طلابها الشرعي المحلول، ومجلسه الأربعيني الذي سيطر عليه بكامله تنظيم الاتجاه الإسلامي/ الأخوان المسلمين.
لكن.. ولأننا لا نعلم بالغيب، لم يكن في خلد أحد من هؤلاء المعتقلين من طلاب جامعة الخرطوم أن يأتي عليهم زمان يُستحسن فيه رفاهية سجن دبك إبان نظام مايو البغيض، مقارنة بنظام بيوت الأشباح وغرف التعذيب وبطش أجهزة الأمن المتعددة لنظام الإنقاذ المباد.
المفارقة هنا، أن أغلب معتقلي سجن دبك من قادة الاتجاه الإسلامي / الأخوان المسلمين أصبحوا قادة في نظام الإنقاذ المباد، والمفارقة المركبة العجيبة والمدهشة، أن الاستثناء من ذلك هما - داوود بولاد والتجاني عبدالقادر_ بطلي هذا الشريط من الذكريات.
والمفارقة الأكثر إدهاشا، أن الرجلين – بولاد وتجاني - وقد تسورا سجن دبك معا، في طريقهما لمقارعة نظام مايو البغيض، أتخذا طريقين مغايرين تماما في مناهضة نظام الإنقاذ المباد. فالمهندس داوود يحى بولاد أتجه لمعارضة نظام الإنقاذ المباد إلى الثورة المسلحة. فحمل السلاح وتمرد على النظام حتى لقي مصرعه على يدي إخوته من قادة نظام الإنقاذ المباد...والدكتور التجاني عبدالقادر أتجه لمعارضة نظام الإنقاذ المباد إلى الثورة الناعمة، فحمل راية الفكر والفلسفة وناهض أيدولوجية النظام في المنافي الاختيارية حتى لقي ربه قبل أيام معدودات. عليهما شآبيب الرحمة والمغفرة.
أما هؤلاء القادة في نظام الإنقاذ من الطلاب معتقلي سجن دبك وقتها، فلم يستنكف أحدهم أو حتى يأنف من ممارسات نظام الإنقاذ المباد القمعية، ولم يستنكر أساليب التعذيب اللاإنسانية التي مارستها أجهزة الأمن الرسمية والشعبية، ناهيك عن أن يطالب أحد منهم بوقف تجاوزات وممارسات أخوتهم في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وذلك من واقع درايتهم بمظلومية القمع والتعذيب تجاه المدنيين المطالبين بالحرية والديمقراطية ومن واقع خبرتهم وتجربتهم الطويلة مع قمع وبطش أجهزة نظام مايو البغيض.




التعليقات (0)
جاري التحميل...