إمام الحلو
مقدمة
بعد انتصار ثورة ديسمبر المجيدة (أبريل 2019م)، وقيام الحكم الانتقالي في (21 أغسطس 2019م)، ظهرت عيوب أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية، إثرها أصدر حزب الأمة القومي النسخة الثانية من "العقد الاجتماعي الجديد" في 26 مارس 2020م، طالب فيه قوى الحرية والتغيير، أن تطور تنظيمها إلى جبهة متماسكة بقيادة مساءلة وتضع ميثاقًا لها، وتتخذ برنامجًا مفصلًا محدد المعالم.
إلا أن قوى الردة نجحت في إجهاض المرحلة الانتقالية (2019م- 2021م)، بالانقلاب العسكري في (25 أكتوبر 2021م)، والذي انتهى بإشعال الحرب الكارثية في (أبريل 2023م)، التي بدأت كنزاع بين طرفي الانقلاب، وتطورت إلى حرب مدن ثم إلى حرب أهلية، وفي طريقها لتصبح حربًا بالوكالة.
الحرب أسبابها وآثارها
انشطر انقلاب 25 أكتوبر إلى معسكريْن أشعلا حرب أبريل الكارثية، وادَّعى كلُّ معسكر لنفسه شرعية المتغلب -بقوة السلاح- وأصبح كل معسكر رهينة البحث عن انتصار مستعص ومشروعية زائفة، وأضحيا مرتهنين لمصادر الإمداد اللوجيستي الخارجية، ونهبًا للضغوط الإقليمية والدولية.
حرب أبريل أدخلت البلاد في مرحلة جديدة من التحديات الكبرى، متمثلة في تهديد مستقبل وحدة السودان، وإضعاف تماسك مكونات الشعب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وانفتاح الباب على مصراعيه لتدخلات خارجية غير حميدة، جعلت مصير السودان خارج إرادة القرار الوطني.
وكيفما كانت نهاية هذه الحرب، فإن كيفية نهايتها ستحدد شكل مستقبل السودان. وأفضل الخيارات الممكنة -عوضًا عن المعادلة الصفرية الخاسرة-، هو تغليب المعادلة الكسبية باتفاق تفاوضي بين طرفي الحرب وإنهائها لصالح الوطن. هذا ممكن بالضغط الشعبي واستراتيجية الإنهاك والإدراك الواردة في مشروع الخلاص الوطني.
الدولة الوطنية التي نأمل
حرب أبريل، أصبحت حربًا يدور رحاها بين ثلاثة مشاريع لأنماط دول مختلفة. مشروع الجيش لإعادة بناء "دولة العسكر الأوتوقراطية"، ومشروع الحركة الإسلامية لاستعادة "دولة المشروع الحضاري"، ومشروع الدعم السريع لتأسيس "دولة علمانية فدرالية".
لكن هذه المشاريع الثلاثة فاشلة، ولن يحقق أيٌّ منها سلامًا واستقرارًا وتنميةً للسودان. فاشلة لأن شرط تكوين نموذج (الدولة- الأمة)؛ "... حيث يتمتع سكان الدولة بوعي قومي مشترك، دولة تجمع بين مفهوم الأمة ككيان ثقافي واجتماعي، ومفهوم الدولة ككيان سياسي"، شرط غير متحقق لهذه المشاريع الثلاثة.
الدولة التي ورثناها بعد الاستقلال هي تركة الإنجليز "دولة وينجيت". دولة كولونيالية وستفالية من صناعة مؤتمر برلين الأوروبي (1884م- 1885م). لقد كانت هذه الدولة الاستعمارية قائمة على سلطة احتلال قهري ومؤسسات مدجّنة أو مؤدلجة. وبعد خروج المستعمر تآكلت بنية الدولة حتى صارت دولة هشة ثم فاشلة في نهاية المطاف.
فشل الدولة الكولونيالية هذا، أدخل البلاد في تجارب انقلابية، عسكرية أوتوقراطية (نوفمبر – 1958م)، ووحدوية شمولية (مايو- 1969م)، وإسلاموية أحادية (يونيو- 1989م). هذه التجارب الانقلابية وعهود حكمها المتطاول، كان لها الأثر الكبير في قطع مسار التطور لعملية الاندماج الوطني والوعي القومي المشترك وتنمية الثقافة السياسية لاستيعاب مضامين الديمقراطية وتوطينها على قواعد الوطنية السودانية.
يقول الإمام المهدي "المنن في طي المحن"، ففي كل كارثة هناك فرصة بداخلها. وفي هذا الوضع الكارثي وانهيار مقومات الدولة الراهنة، تتبدى فرصة ثمينة، عن صيغة جديدة لدولة حديثة مؤسَسة على قواعد عقد اجتماعي مختلف عن عقود الإذعان السابقة. عقد اجتماعي يؤسس لدولة المواطنة وأمة المواطنة.
دولة قائمة على مبدأ المواطنية المتساوية في الحقوق والواجبات. وعلى تعزيز الاندماج الوطني وحسن إدارة التعدد العرقي والجهوي وصهر التنوع الثقافي والنوعي والجيلي في بوتقة "الهوية الوطنية" ونبذ تعريف الهوية بالإثنية. والتركيز على توظيف مصادر قوة التعدد والتنوع في السودان بدلًا من التركيز على حقوق الأقليات المختلفة عن إثنية الأكثرية.
وتعزيز الوحدة الوطنية بتكريس الانتماء الوطني للسودان، وضمان حفظ حقوق الانتماءات كافة الدينية والثقافية على حدٍّ سواء. وتحصين هذه الدولة الوطنية بسياج جيوسياسي من التكامل والتعاون الاقتصادي والأمني والاستراتيجي لإقليم حوض النيل العظيم، وفق مبدأ السيادة المتقاسمة بديلًا لمبدأ السيادة المغلقة للدولة الوستفالية.
العقد الاجتماعي
قدم حزب الأمة القومي وثيقة العقد الاجتماعي الجديد (مارس 2020م)، كمشروع إصلاحي مقدم لقوى إعلان الحرية والتغيير، تضمن سبعة بنود رئيسة: (سمات التفرد في ثورة ديسمبر، عيوب وتعثر الفترة الانتقالية، المعالجة اللازمة في اصطفاف جديد، البرنامج الجديد، المهام العاجلة، الجهر بالتشخيص والمعالجات، الفجوة في الوثيقة الدستورية).
وألحق الوثيقة بورقة تفصيلية (من شرعية الثورة إلى شرعية الواجب) في 22 أبريل من نفس العام، تضمنت نقدًا موضوعيًا لأداء الفترة الانتقالية، وتطلعًا للإصلاحات الجذرية التي تمكن الفترة الانتقالية من النجاح المأمول.
كان العقد الاجتماعي الجديد يأذن بمولد جديد بما يعني تجاوز المرحلة المتعثرة من الفترة الانتقالية السابقة. مولد جديد يقترحه حزب الأمة القومي ويفصله في المؤتمر التأسيسي الجامع المقترح لإنفاذ مشروع العقد الاجتماعي الجديد. مولد جديد لتصحيح مسار وإدارة الفترة الانتقالية. ولوضع برنامج وآليات انعقاد المؤتمرات القومية الثمانية للبناء الوطني، ووضع برنامج وآليات الانتقال الآمن إلى النظام الديمقراطي التعددي.
الآن، بعد أن تمكنت قوى الردة من إجهاض المرحلة الانتقالية، وأشعلت نيران الحرب الكارثية، تفككت أوصال الدولة المهترئة، وتهددت وحدة البلاد وسلامة أراضيها. فإن القوى السياسية والمدنية تواجه أربعة تحديات مصيرية ينبغي التعامل معها بجدية ومسؤولية:
أولًا؛ تحقيق السلام العادل والشامل.
ثانيًا؛ إدارة مرحلة انتقالية راشدة.
ثالثًا؛ بناء دولة وطنية حديثة.
رابعًا: الأمن والسلم الإقليمي.
(2)
الميثاق السياسي الوطني
وقف وإنهاء الحرب والاستجابة الإنسانية العاجلة، أولوية قصوى في برنامج القوى المدنية الوطنية الديمقراطية، المطالَبة بإلحاح بتوحيد الجبهة الداخلية واسترداد إرادة القرار الوطني. والعمل سريعًا على تكوين اصطفاف جديد تشارك فيه التحالفات والتنظيمات السياسية والمدنية كافة الداعية لوقف الحرب والتحول المدني الديمقراطي، بما في ذلك القوى المجتمعية من: الإدارة الأهلية، الطرق الصوفية، الهيئات الدينية، المؤسسات الإبداعية والرياضية.
الاصطفاف الجديد يتطور إلى جسم مدني متماسك له هيكل منتظم، وبرنامج مفصّل، وقيادة مساءلة. يضع ميثاقًا يحدد المبادئ الدستورية والسياسية الملزمة لمكونات هذا الجسم.
هذا الميثاق يتضمن التصميم على تحقيق السلام العادل الشامل وعلى مبادئ وأسس الدولة الوطنية الجديدة والنظام السياسي الديمقراطي التوافقي. معالم هذا الميثاق:
1) تأمين وحدة السودان وسيادته.
2) تأسيس دولة مدنية ديمقراطية قائمة على الحرية والعدالة الاجتماعية، وتعترف بالتنوع وفق هوية جامعة.
3) اعتماد المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وأن لا تشريع يعتمد إلا عبر آلية تشريعية منتخبة.
4) الالتزام بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وبالديمقراطية التوافقية المستدامة، وبمعايير الحكم الراشد.
5) نظام سياسي ديمقراطي تعددي، قائم على اللامركزية الفدرالية.
6) إقرار استراتيجية قومية للسلام العادل الشامل بعيدًا عن سلام المزايدات والمحاصصات.
7) التزام المؤسسة العسكرية بالقرار المدني وحراسة الديمقراطية، على أن تؤدي مهامها الوظيفية الدفاعية بمهنية وكفاءة. وبناء جيش مهني بعقيدة عسكرية وطنية تنأى عن السياسة والاقتصاد.
8) مشروع اقتصادي تنموي نهضوي يبنى على موارد البلاد وثرواته الطبيعية.
9) بناء علاقات خارجية متوازنة تدعم السلم والأمن الإقليميين والدوليين. وتتفادى مظاهر المحورية والتبعية.
10) تحقيق التكامل والتعاون الإقليمي في تجمع كونفدرالي لدولتي السودان، ودول حوض النيل (مصر، إثيوبيا، إريتريا، يوغندا، كينيا) ودولتي الجوار الغربي (تشاد، ليبيا). وإنشاء نموذج جديد للتعاون والتنويع الاقتصادي، والتقدم التكنولوجي.
الاستراتيجية القومية
يدعو الجسم المدني (الجبهة المدنية) إلى مؤتمر مائدة مستديرة يشارك فيه أصحاب المصلحة (السودانيون كافة) من مدنيين وعسكريين، بإسناد إقليمي ودولي. (يُعزل منتسبو المؤتمر الوطني المحلول وروافده)،
تضع الجبهة المدنية استراتيجية قومية تبنى على أربعة محاور:
1. وضع استراتيجية شاملة لتحقيق السلام الدائم تعمل على وقف الحرب وإزالة أسبابها ومعالجة آثارها.
2. برنامج إدارة مرحلة انتقالية راشدة، يجيزه مؤتمر المائدة المستديرة، بالتوافق، ويصدر إجراءات عاجلة لإدارة الدولة بحكومة تصريف أعباء مؤقتة. ويجيز دستورًا انتقاليًا يضع أسس الحكم الانتقالي الديمقراطي، القائم على خيار التفويض الشعبي، ورقابة المجلس التشريعي المنتخب، وعلى حكومة انتقالية قومية (حكومة كل الجمعية).
3. وضع اللبنات الأساسية لبناء الدولة الوطنية الجديدة ونظام الحكم الديمقراطي التعددي، هندسة جديدة لبناء المستقبل الوطني بمولد جديد.
4. بنهاية المرحلة الانتقالية، تتم إجازة الدستور الدائم عبر استفتاء شعبي، وتقام انتخابات ممرحلة، على مستوى المحليات أولًا ثم الانتخابات العامة على المستوى القومي.
القضايا المصيرية والمؤتمرات القومية
وقف الحرب لا يعني تحقيق السلام العادل الشامل والنهائي. يتحقق السلام بتنفيذ استراتيجية شاملة للسلام، وعبر اتفاق جامع وشامل لكل مكونات أصحاب المصلحة بما في ذلك الضحايا والنازحين واللاجئين. توظف فيه آليات الحقيقة والمصالحة وتحقيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر، وضمان منع الإفلات من العقاب.
نظام الحكم الديمقراطي، وحسم علاقة الدين بالدولة وصناعة الدستور الدائم، لا يمكن حسمها ثنائيًا أو فوقيًا، ولا بدّ أن يتم التوافق عبر آلية جامعة.
كافة القضايا المصيرية والاستراتيجية، والقضايا المتبقية، والمظالم التاريخية، تناقش ويتم التوافق على معالجاتها في مؤتمرات قومية متخصصة يشارك فيها علماء وخبراء وسياسيون ومختصون ومهتمون من المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، تتولى إدارتها والإشراف عليها مفوضيات قومية مستقلة يتم تعيينها من قبل المجلس التشريعي الانتقالي.
المؤتمر القومي للسلام، المؤتمر القومي الدستوري، المؤتمر القومي للإصلاح الأمني والعسكري، المؤتمر القومي الاقتصادي، المؤتمر القومي للعلاقات الخارجية، المؤتمر القومي الثقافي، المؤتمر القومي للتعليم، المؤتمر القومي للخدمة المدنية، المؤتمر القومي للبيئة.
المجتمع الدولي
السودان غير المستقر يشكل معبرًا للهجرات غير الشرعية وتجارة البشر، ويشكل بيئة خصبة لتسلل جماعات إرهابية ويخلق نقاط اتصال بينها وبين مراكز الجماعات الإرهابية الدولية، مما يشكل هاجسًا أمنيًا للدول الغربية. كما أن اهتزاز ثقة المجتمع الدولي في قدرات القوى المدنية والسياسية، وعدم استطاعتها توحيد رؤيتها وخطابها، صرف المبادرات الدولية والإقليمية من البحث عن شراكة أو تنسيق مع المكون المحلي في جهود وقف إطلاق النار والاستجابة الإنسانية. وعلى الرغم من مخرجات مؤتمر برلين (15 أبريل 2026م)، ومشاورات الخماسية في أديس أبابا (3 يونيو 2026م) حول تشكيل اللجنة التحضيرية. هذا الوضع يتطلب بذل مزيد من الجهد لسرعة تشكيل الجسم المدني (الجبهة المدنية)، للتعامل مع المجتمع الدولي باتساق.
الدور الراهن الأهم المطلوب من الأسرة الدولية والإقليمية، هو استخدام نفوذها وقدراتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، للضغط على الدول والشركات لوقف الإمدادات اللوجستية من الأسلحة والذخائر، ووقف الدعم السياسي والمالي لمعسكري الحرب.
ويأتي الدور المهم للمجتمع الدولي بعد تحقيق السلام وبداية الحكم الانتقالي، بدعم استكمال عملية الاستجابة الإنسانية العاجلة، وبرنامج الإسعاف الاقتصادي ومشروع مارشال سوداني للمولد الجديد.
خاتمة
في خضم الكارثة المحيقة بالبلاد، ينبغي أن نبحث عن الفرصة لإمكانية بناء دولة وطنية حديثة بمعنى التحديث والتنمية في عناصر بناء المستقبل الوطني كافة، وأن تتأسس دولة المواطنة وأمة المواطنة على عقد اجتماعي يأذن بالميلاد الجديد. والطريق باتجاه عقد اجتماعي سليم ومعافى من تراكمات المراحل السابقة، ينبغي أن يكون منتوج مشروع فكري وليس مشروعًا سياسيًا بحتًا، وأن يتضمن نزعة تحررية عن السائد من وصمة الاستبداد والشمولية والإقصاء، وأن يكون إنفاذه بالاستفادة من التطور التكنولوجي والتقني الراهن.




التعليقات (0)
جاري التحميل...