محمد الأمين عبد النبي

 

يقف السودان أمام خطر استراتيجي يتمثل في انهيار الدولة وتفكك مقوماتها. الحرب تحولت إلى استنزاف شامل للدولة والمجتمع تتراجع معه شرعية السلطة فيما يفقد المواطنون مقومات الأمن والمعيشة والأمل.

انهيار الدولة يتشكل تدريجيًا حين تعجز عن حماية أراضيها وسكانها وتوفير الأمن والخدمات وإدارة مواردها. ومن هذه الزاوية تكشف الأوضاع في السودان عن خمسة محددات أساسية تتمثل في: الشرعية السياسية، واحتكار القوة المنظمة، والقدرة المؤسسية والاقتصادية، واستقلال القرار الوطني، والتماسك الاجتماعي والهوية الجامعة. وتكمن خطورة الأزمة في تداخل هذه المحددات بما يدفع البلاد نحو التفكك.

 

أول هذه المحددات انهيار الشرعية السياسية، فقد أفرزت الحرب سلطتين متنافستين في ظل غياب الشرعية والقدرة على إدارة البلاد. فقد ثبت فشل العسكر في إدارة الحكم. فالدولة التي تُدار بمنطق الغلبة تفقد عافيتها.

ويتمثل المحدد الثاني في انهيار الأمن وتغلغل العسكرة في المجتمع والاقتصاد، وأصبح السلاح وسيلة للحماية والنفوذ وكسب العيش، وتُستخدم الانتماءات القبلية والإثنية في التعبئة والتجنيد. ويهدد استمرار الحرب بإنتاج مليشيات جديدة واقتصادات النهب.

أما المحدد الثالث فيتجلى في الانهيار المؤسسي والاقتصادي، فقد دمرت الحرب البنية التحتية وعطلت خدمات المياه والكهرباء والصحة والتعليم وأصابت الزراعة والصناعة والأسواق بأضرار جسيمة. وتزامن ذلك مع انهيار العملة وغلاء الأسعار واتساع الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي. وأصبحت قطاعات واسعة من السودانيين تكافح لتأمين لقمة العيش مع تراجع فرص العمل وهجرة العقول. فقد صدق تحذير ابن خلدون "الظلم مؤذن بخراب العمران"، فالفساد والاستئثار بالموارد يقوض الثقة ويضعف الإنتاج ويخلق مصالح تستفيد من استمرار الحرب وتخشى السلام.

ويضيف أرنولد توينبي محددًا آخر لفهم الأزمة، هو عجز القيادة والمؤسسات عن الاستجابة للتحديات. فالسودان يواجه حربًا متصاعدة وأزمة إنسانية واقتصادًا متداعيًا وتمزقًا اجتماعيًا، فيما تتكرر السياسات الفاشلة والخطابات التي تبرر العجز بالتطبيل والولاء الأعمى وإنكار الواقع.

ويتمثل المحدد الرابع في تراجع استقلال القرار الوطني واتساع التدخلات الخارجية، فانقسام السلطة واعتماد أطراف الحرب على الدعم الخارجي، جعل السودان ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.

 

أما المحدد الخامس فهو انهيار التماسك الاجتماعي، فقد نخر خطاب الكراهية والعنصرية في النسيج الاجتماعي واتسعت الانقسامات والنزوح واللجوء وتراجعت قيم التعايش والمواطنة.

وتزداد قتامة المشهد مع تعثر المبادرة الرباعية في إقرار هدنة مؤقتة، وعجز الجهود الخماسية عن تشكيل لجنة تحضيرية لحوار سوداني، وضعف الاستجابة الإنسانية الدولية. وقد بلغ خطر التفكك مستوى جعل قادة الجوار يحذرون من تكرار سيناريو السودنة على شاكلة الصوملة.

وصفة الخلاص الوطني واضحة، تبدأ بوقف إطلاق النار وتأمين المساعدات والضغط على الأطراف الخارجية لوقف تغذية الحرب. ويتطلب أيضًا توحيد القوى المناهضة للحرب في جبهة قادرة على بلورة مشروع وطني، وبناء جيش مهني موحد وإصلاح المؤسسات الأمنية والعدلية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعادة تشغيل الاقتصاد والخدمات وإطلاق مشروع للإعمار.

إن المعركة الحقيقية هي استعادة الدولة من قبضة أمراء الحرب وإعادة السياسة إلى مسارها المدني. فوقف الحرب شرط لبقاء الدولة والخلاص مرهون بمعالجة جذور الأزمة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...