مهدي داود الخليفة

لم يكن اجتماع مجلس الأمن الأخير بشأن السودان مجرد تجديد روتيني لنظام العقوبات، بل اختباراً جديداً لقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع حرب دخلت عامها الرابع وسط تصاعد الكارثة الإنسانية وتدفقات السلاح والتدخلات الخارجية.

لم يحسم المجلس الخلاف حول مستقبل العقوبات، واكتفى بتمديد تقني قصير حتى 9 نوفمبر 2026، لإتاحة وقت إضافي للتفاوض. وكانت واشنطن قد سعت إلى توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كل الأراضي السودانية، وإدراج الطائرات المسيّرة ومكوناتها، وتشديد الإجراءات ضد من يعرقلون المساعدات أو يستهدفون المدنيين، لكن روسيا والصين ودولاً أخرى عارضت هذا التوسيع.

هنا تكمن التعقيدات السياسية الحقيقية. رفض توسيع العقوبات لا يعني بالضرورة تأييداً لاستمرار الحرب أو انحيازاً لأحد طرفيها. فموسكو تنظر إلى السودان من زاوية استراتيجية ترتبط بالبحر الأحمر والعلاقات العسكرية والذهب وموقعه في التنافس الدولي على النفوذ، بينما تتمسك بكين بمبدأ السيادة وعدم التدخل، وتتحفظ عادة على توسيع العقوبات الدولية.

لكن السياسة الدولية تُقاس بالنتائج لا بالنوايا وحدها. والنتيجة العملية هي أن المجلس ما زال يفتقر إلى أداة موحدة وقوية للحد من تدفق السلاح لجميع أطراف الحرب. وقد تقرأ بعض دوائر القرار في الحكومة هذا الأمر باعتباره مؤشراً على تعذر فرض قيود شاملة على التسليح، ما قد يعزز الاعتقاد بأن الضغط العسكري أجدى من التفاوض. غير أن هذا الاستنتاج قاصر، إذ إن غياب حظر شامل يترك أيضاً مجالاً لقوات الدعم السريع وشبكات إمدادها لمواصلة الحصول على الموارد. فالمستفيد الحقيقي من التعثر الدولي ليس طرفاً بعينه، بل استمرار الوضع العسكري القائم.

من السابق لأوانه الحديث عن صفقة روسية أمريكية تربط السودان بأوكرانيا، إذ لا تتوفر أدلة كافية على ذلك. لكن يصعب أيضاً عزل الموقف الروسي في مجلس الأمن عن التنافس الجيوسياسي الأوسع بين موسكو وواشنطن، إذ أصبح السودان جزءاً من سؤال أكبر حول طبيعة النظام الدولي: هل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض أجندتهم في المجلس، أم يتجه العالم نحو نظام أكثر تعددية تستطيع فيه موسكو وبكين تعطيل ما لا يتفق مع مصالحهما؟ ومن هذه الزاوية، قد يكون الموقف الروسي رسالة سياسية مفادها أن موسكو ما زالت قادرة على التأثير في ملفات خارج الصراع الأوروبي. لكن الأهم أن السودان لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة في مساومات القوى الكبرى، فحين تتحول الأزمات المحلية إلى أدوات صراع دولي، يكون المدنيون أول من يدفع الثمن.

بالنسبة إلى الجيش السوداني، يمثل عدم توسيع الحظر مكسباً دبلوماسياً محدوداً قد يعزز الاعتقاد بإمكانية حسم الحرب عسكرياً، لكنه لا يعني حصوله على تفويض دولي لمواصلة القتال ولا تراجع الضغوط المتعلقة بحماية المدنيين. أما الدعم السريع فلا يمكنه اعتبار النتيجة انتصاراً، إذ تبقى عقوبات دارفور والضغوط على قياداته وشبكات تمويله قائمة. والخطر أن يستخلص الطرفان رسالة واحدة: أن خيار الحسم العسكري ما زال مفتوحاً طالما بقي المجتمع الدولي عاجزاً عن الاتفاق على آلية أكثر صرامة.

وبينما تنشغل القوى الكبرى بصياغة القرارات وحدود العقوبات، يواجه ملايين السودانيين واقعاً مختلفاً: النزوح والجوع وانهيار الخدمات الصحية وتدمير البنية التحتية وانقطاع التعليم واستمرار القصف. فالسؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للمدني السوداني ليس نطاق حظر السلاح، بل كيفية وقف وصول الأسلحة إلى من يستخدمها لانتهاك حقوق المدنيين.

عودة السودان المتكررة إلى جدول أعمال مجلس الأمن تعكس إدراكاً بأن حربه لم تعد أزمة داخلية معزولة، بل ترتبط بالأمن الإقليمي والبحر الأحمر والهجرة وتدفقات السلاح والذهب. لكن الاهتمام الدولي وحده لا يكفي ما لم يُترجم إلى تغيير ملموس في حياة المدنيين. فالمطلوب استراتيجية متكاملة تجمع بين وقف إطلاق النار، والحد من تدفق السلاح لكل الأطراف، ومراقبة الحدود، وتجفيف مصادر التمويل، واستهداف اقتصاد الحرب، وضمان وصول المساعدات، وفتح مسار سياسي شامل لا يستثني القوى المدنية.

فتمديد العقوبات ليس نهاية المعركة الدبلوماسية، بل فرصة أمام المجلس لإعادة النظر في تعامله مع الحرب. والاختبار الحقيقي ليس في إصدار قرارات جديدة، بل في تحويلها إلى ضغط فعلي لوقف القتال. وينبغي ألا يتحول السودان إلى ساحة إضافية للصراع بين الكبار، لأن ذلك يمنح أطراف الحرب مساحة أطول للمناورة ويؤخر التسوية.

وقد لا يسأل التاريخ فقط من أطلق الرصاصة الأولى، بل من كان قادراً على وقف الحرب ولم يفعل ما يكفي. فالمدنيون في السودان لا يملكون مقعداً في مجلس الأمن ولا حق النقض، لكنهم يملكون حقاً يتقدم على كل الحسابات: الحق في الحياة والسلام، وفي أن يكون السودان وطناً لا ساحة لصراع الآخرين.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...