أشرف عبدالعزيز

يعكس قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة القاضي بتمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان موقفاً دولياً متجدداً يهدف إلى مراقبة الانتهاكات الجسيمة وتوثيق الفظائع في بلاد تمزقها الحرب. ورغم أن التقارير الحقوقية والدولية لا تتوقف عن توصيف وتوثيق الجرائم التي ترتكبها قوات الدعم السريع، من تطهير عرقي وعنف جنسي وتهجير قسري وتدمير للبنية التحتية، إلا أن الموقف السياسي لـ"سلطة الأمر الواقع" ظل ثابتاً في رفضه القاطع لهذه البعثة، معتبراً إياها مساساً صريحاً بالسيادة الوطنية.

هذا الموقف يتطلب تفكيكاً تحليلياً يستكشف الدوافع التي تجعل السلطة تضحّي بفرصة استثمار الإدانة الدولية الصريحة لغريمها، وتخوض في المقابل معركة ضد الآليات الأممية للعدالة والشفافية.

تتضح أولى معالم هذا الرفض في عقدة المساواة الأخلاقية والقانونية التي تطرحها القرارات الدولية، فالبنية النصية لقرار مجلس حقوق الإنسان تتعامل مع القوات المسلحة وقوات الدعم السريع كطرفين متساويين في النزاع، يخضعان لنفس المعايير والمحاسبة. وترى سلطة الأمر الواقع نفسها ممثلاً شرعياً للدولة وجيشاً وطنياً يواجه تشكيلاً مسلحاً من المتمردين، وبالتالي فإن القبول الضمني ببعثة تقصي الحقائق يُترجم سيكولوجياً وسياسياً على أنه مساواة بين المؤسسة العسكرية والمليشيا واعتراف ضمني بشرعية الجريمة المتبادلة.

كما ترفض السلطة وضع أفعالها تحت المجهر الدولي ذاته الذي يُوضع فيه غريمها، تجنباً لتعرية السردية القائلة بأن الحرب ليست سوى عملية إنفاذ للقانون، وليس صراعاً يتخلله تجاوزات واسعة.

من جانب آخر، تدرك السلطة تماماً أن البعثة ليست جهة علاقات عامة موجهة لخدمة طرف على حساب آخر، بل هي آلية مستقلة لجمع الأدلة والتحقيق. وتكمن الخشية الحقيقية هنا في احتمالية الخضوع لمساءلة مزدوجة تشمل القصف الجوي للمناطق السكنية والاستخدام المفترض للتجويع كأداة حرب والاعتقالات التعسفية والقتل على أساس الهوية.

وبما أن مخرجات البعثة توفر الوقود الفعلي للتحقيقات التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية، فإن فتح الباب أمام هذه الآليات يهدد القيادات العسكرية والسياسية القائمة بفتح ملفات المحاسبة الدولية التي لا تفرق بين أطراف النزاع.

كما تُبرز هذه الأزمة استخدام مقولة السيادة الوطنية كدرع دفاعي للتهرب من الرقابة والمساءلة. وفي الوقت الذي تتذرع فيه السلطة بالسيادة للحد من دخول اللجان الأممية الحقوقية، فإنها تغض الطرف عن التدخلات والدعم الخارجي الموجه لصالحها. هذا التناقض يوضح تغليب الحفاظ على السلطة وتجنب المساءلة على المصلحة الوطنية الشاملة وحماية المدنيين الذين يواجهون ظروفاً إنسانية وأمنية مأساوية وتحديات غذائية تصل إلى مستوى خطر المجاعة.

أما الاحتجاج الدائم بالنظام القضائي والآليات الوطنية للتحقيق، فيفتقر إلى الفاعلية العملية في ظل وضع الحرب الشاملة وانهيار مؤسسات الدولة. فالقضاء المحتجز داخل ظروف الصراع أضحى غير قادر على إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة تطال كافة الأطراف، لتدور الآليات المحلية في فلك المماطلة وتوفير التبريرات، بينما يظل المواطن السوداني عالقاً بين اعتداءات المليشيات وتجاوزات السلطة.

يكشف موقف سلطة الأمر الواقع الرافض لتمديد البعثة، رغم الإدانات الواضحة لخصمه، عن حالة من الارتباك السياسي التي تُقدّم فيها أولوية الهروب من التحقيق الدولي على استثمار الموقف الإنساني والحقوقي لردع الانتهاكات.

إن التذرع الدائم بشعارات السيادة في خضم واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية لن يمنع من استمرار التوثيق الدولي، ولن يغير من حقيقة أن مطالبات العدالة وحماية المدنيين تظل تتجاوز التبريرات السياسية التي تحاول تعطيل التقصي والشفافية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...