تجهيزات الموسم الزراعي أصبحت أسطوانة مكررة، بينما المطلوب آليات دائمة وليست موسمية

الحرب منعت المنتجين من الوصول إلى أراضيهم، وسُرقت محاصيلهم، ما أجبر كثيرين على هجر الزراعة

الأمن الغذائي لا يتحقق بالشعارات، بل بمنظومة متكاملة تشمل الإنتاج، والتوافر، والجودة، والاستدامة

 

كشف مدير الأمن الغذائي بوزارة الزراعة والري، ورئيس شبكة الأمن الغذائي السودانية، المهندس عمار حسن بشير، عن حجم التأثيرات التي خلفتها الحرب على القطاع الزراعي، مؤكدًا أنها طالت البنية التحتية الزراعية، وشملت تدمير المنشآت والخدمات الأساسية، وتخريب الآليات والمعدات، إلى جانب تعرض المحاصيل للسرقة ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم لاستكمال العمليات الزراعية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى هجر مزارعهم قبل اكتمال الموسم.

وعلى الرغم من هذه التحديات، أعرب بشير عن تفاؤله بقدرة القطاع الزراعي على استعادة عافيته، مشيرًا إلى أن السودان مقبل على نهضة زراعية متى ما توقفت الحرب واستعاد البلد استقراره، لافتًا إلى أن نجاح الموسم الزراعي يتطلب توفير مدخلات الإنتاج والخدمات الزراعية بصورة مستدامة، بعيدًا من الحلول الموسمية.

ودعا إلى تبني نهج اللامركزية في تقديم الخدمات الزراعية، بما يتيح لكل ولاية الاعتماد على إمكاناتها الذاتية في تطوير الإنتاج، وإنشاء مراكز خدمات زراعية حديثة، وتسهيل التمويل، وتحسين آليات توزيع المدخلات، باعتبارها ركائز أساسية للنهوض بالقطاع.

وفي هذا الحوار، يتحدث مدير الأمن الغذائي عن تداعيات الحرب على الزراعة، ومتطلبات إنجاح الموسم الصيفي، وفرص تحقيق الأمن الغذائي، ورؤيته لمستقبل القطاع الزراعي في السودان، والتحديات التي تواجهه، والسبل الكفيلة بتحويله إلى قاطرة للاقتصاد الوطني.

حوار- ناهد محمد

 

- مع انطلاق الموسم الصيفي وبدء هطول الأمطار في عدد من الولايات، ما أبرز المطلوبات لإنجاح الموسم الزراعي؟ وكيف يمكن الاستفادة المثلى من موارد الأمطار؟

= تمثل الزراعة قلب الأمن الغذائي وقلب توافر الغذاء في الدولة، لذلك يجب أن يكون هنالك اهتمام كبير بالزراعة... والزراعة -في تقديري- هي خدمات وحال توافر الخدمات بصورة صحيحة نستطيع أن نسهل للمنتج الزراعي أو المنتج الحيواني إنتاجه في أية بقعة من بقاع السودان، ونحن حتى الآن ما زلنا لا نستخدم أراضينا ومواردنا الزراعية بصورة كاملة، إنما نستخدمها في الموسم الزراعي فقط، حيث نستخدم عروتيْن (الصيفية والشتوية)، وحتى هاتين العروتين -غالبًا- ما تجد الدولة "قايمة وواقعة" لتجهيز الموسم الزراعي.

بينما الزراعة هي مواقيت وخدمات، ولو تم توفير الخدمات من مدخلات الإنتاج الزراعي بصورة صحيحة وكاملة وفي المواقيت الصحيحة وفي المكان المطلوب نكون قد أنجزنا.

والشاهد، أن تجهيزات الموسم الزراعي أسطوانة مكررة وعمل مستمر، فالعمل المستمر يجب أن تكون آلياته مستمرة ومعروفة، وأهم آليات العمل الزراعي في السودان الخدمات الزراعية، وتوفير مدخلات الإنتاج نفسها سواء كانت وقودًا موادَ تعبئة (الخيش أو غيره)، وتوفير التقاوي المحسنة والمحلية الخالية من مواد التحور الوراثي.

كذلك نحتاج إلى تطوير آليات توزيع هذه الخدمات، خاصة وأن آليات توزيع هذه الخدمات الآن تكاد تكون صفرًا أو غير موجودة، كما ويجب أن تكون قنوات التوزيع حقيقية وواقعية تصل للمزارعين في أماكنهم المعلومة، سواء كانت مشاريع خاصة أو عامة، في القطاع المروي كانت أم المطري... فالتحدي الأكبر هو كيفية الوصول إلى هذه النواحي الجغرافية الواسعة في أرض السودان حتى نستطيع تقديم الخدمات... فالآلية الموجودة الآن تتطلب التجديد، بحيث تضمن وصول الخدمات الزراعية والحزم التقنية المطلوبة لإنجاح الموسم الزراعي إلى كلِّ مزارع وإلى كلِّ منتج في أرض السودان.

ومن هذا المنطلق، أدعو إلى اللامركزية في تقديم الخدمات، بحيث تعتمد كلُّ ولاية على قدراتها الذاتية في تطوير العمل الزراعي، وبالتالي فإن أهم المطلوبات التي يجب توافرها، هي: إنشاء مراكز خدمات زراعية حديثة ونوعية وجغرافية، بحيث تقدم الخدمة بصورة كاملة وميسرة للمزارع.

الأمر الآخر المطلوب توفره في عملية الإنتاج، هو آلية خاصة بالتمويل لأنه عصب العملية الزراعية في تقديم الخدمات الزراعية... وللأسف، فإن التمويل واحد من التحديات الرئيسة التي يجب أن تتوفر للمزارع بصورة آمنة وسلسة، وأن يستطيع الحصول عليها دون أي معوقات وبضمانات كبيرة.

وإذا استطعنا إدارة العمل الزراعي بكفاءة وبصورة قوية، وخلق قيمة مضافة للمنتج من خلال التصنيع الغذائي الذي يحقق الاكتفاء الذاتي ويستهدف الصادر... يمكن أن يصبح القطاع القائد للاقتصاد السوداني، كما كان في سابق الزمان.

- مع بداية موسم الخريف هذا العام، والتوقعات بهطول أمطار غزيرة، كيف تنظرون إلى آفاق الموسم الزراعي الصيفي؟ وهل تمثل هذه التوقعات فرصة لتعزيز الإنتاج الزراعي؟

= الأمطار واحدة من العناصر المهمة، والقطاع المطري معروف هو القطاع الأوسع والأكبر، وهو القطاع الذي تعتمد عليه الزراعة، بجانب أنه القطاع الذي يحتاج أيضًا لعمل، خاصة وأن الأمطار والخيران الموجودة في السودان لا تتم الاستفادة القصوى منها في عمليات الري، لذا لا بدّ أن يكون هنالك ري متكامل للعملية الزراعية، وفي بعض المواسم يكون هنالك قلة في الأمطار تتأثر على إثرها الزراعة المطرية بصورة كبيرة، فبالتالي لا بدَّ أن تكون لدينا آلية ري تكميلي لاستخدامها حال شحِّ الأمطار، خاصة وأن الأمطار نفسها في تقلبات وتذبذبات.

- كيف أثرت الحرب في القطاع الزراعي، وما أبرز التداعيات التي خلفتها على الإنتاج والبنية التحتية وسلاسل الإمداد الغذائي؟

= حقيقة، الحرب أثرت على القطاع الزراعي بصورة كبيرة، حيث تم "ضرب" البنية التحتية الزراعية "القنوات، المخازن، المستودعات، المؤسسات الزراعية والآليات... إلخ"، كما وتمت سرقة المحاصيل الزراعية ومنع المنتجون من الوصول إلى أراضيهم لمباشرة العمل الزراعي، مما جعل الكثيرين منهم يهجروا الأراضي الزراعية قبل أن تكتمل العملية الزراعية.

فالحرب أثرت على البنى التحتية للقطاع الزراعي، شأنه شأن بقية القطاعات، ولكن بالرغم من الحرب وما حدث خلالها، يمكننا التأكيد على أن السودان قادر على تحقيق الأمن الغذائي، وهذه العبارة لا أطلقها بهذه العمومية، إذ أن تحقيق الأمن الغذائي يعتمد على ركائز أساسية يجب أن تنظر لها الدولة وتوفر لها إمكانات وتتيح لها كل الخبرات المحلية الوطنية.

أول هذه الركائز توافر مجموعة عوامل اجتماعية واقتصادية مؤثرة في الأمن الغذائي (الدخل، مستوى الفقر، التجارة، شبكات الأمان الغذائي)، ودورها في توفير الغذاء للفئات الهشة في المجتمع.

العنصر الثاني من الركائز، عملية توفر الغذاء نفسه، والذي يدخل فيه عملية الإنتاج. فتوافر الغذاء من الإنتاج المحلي عبر الاكتفاء الذاتي أو الاستيراد، عنصر مهم في الأمن الغذائي... وتوجه الدولة للاستيراد (ما عيب)، وهي واحدة من الآليات التي تغطي بها الطلب المحلي إذا كان الإنتاج يقصر عن تغطية الطلب المحلي، ويمكن أن يأتي الغذاء في شكل هبات أو تبرعات، كما وتستخدم آلية المخزون الاستراتيجي في الدولة، بجانب توفر الغذاء عبر العون الإنساني من الدول الصديقة والشقيقة... إلى آخره.

العنصر الثالث من المرتكزات، هو الجودة وسلامة الغذاء، وهي تعني الوصول للغذاء السليم والغذاء الآمن للمستهلك.

العنصر الرابع، يتمثل في المناخ وتأثيره على عملية الإنتاج نفسها، لأن المناخ وكل العناصر المؤثرة في المناخ من عناصر التعرض "درجات الحرارة، الأمطار، الفيضانات"، تؤثر على العملية الإنتاجية وتصنف عالميًا بتصنيف خاص بالاستدامة والتكيف، بحيث نستطيع التكيف في النشاط الزراعي مع التغيرات المناخية التي تحدث في المناطق الزراعية، مثلًا هطول الأمطار... في الولاية الشمالية ولطبيعة المنطقة كان الاعتماد على زراعة النخيل، وحدث أن تغير النمط المناخي في شمال السودان وهطلت أمطار فإن التغيُّر المناخي هذا يؤثر على النشاط البشري الإنتاجي الموجود في الولاية الشمالية.

لذا، فإن تحقيق الأمن الغذائي لا يطلق هكذا جزافًا، فالأمن الغذائي هو التركيبة المكتملة لهذه العناصر الأربعة التي تعمل معًا لتحقق لنا أمنًا غذائيًا بصورة صحيحة وبصورة سليمة.

وبالعودة إلى تأثيرات الحرب، نقول إنها قد ألقت بظلالها السالبة على سلاسل الإمداد الغذائي، أي أنها أثرت على جانب من توافر الغذاء نفسه، حيث قطعت مناطق إنتاج الغذاء عن مناطق الاستهلاك الكبيرة أو التجمعات الكبيرة في الخرطوم ومدني ونيالا والأبيض، والتي تمثل مناطق تجمع حضري وسكاني كبير، وعملت الحرب على تدمير سلاسل الإمداد الغذائي، مما أثر على عملية تحرك المواد الغذائية من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك أو إلى مناطق التصدير.

وأظهرت في السودان ما عرف بالتكايا والتي كانت من الوسائل التقليدية التي حلت مكان سلاسل الإمداد الغذائية الرئيسة من النقل، التخزين، منافذ التوزيع... إلى غيره. وقد دمرت الحرب سلاسل الإمداد الغذائي، بحيث توقف النقل والتخزين وتوقفت حركة المواد الغذائية من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.

- هل ما زال السودان قادرًا على تحقيق الأمن الغذائي؟

= نعم، وبالرغم من الحرب وتأثيرها السالب، نقول إن السودان قادر على أن يحقق الأمن الغذائي بالمفهوم الحديث وليس التقليدي.

- إذًا، ما المطلوب لتحقيق نهضة زراعية مستدامة؟

= النهضة الزراعية الحقيقية تتم من خلال التوافر "توافر الغذاء في الدولة"، لأن النهضة الزراعية القوية تدعم توافر الغذاء في الدولة، كما وأن المجال الزراعي، كبير وضخم وواسع ومتنوع ولدينا من المعطيات الكثير لتساعد في نجاح العملية الزراعية، مثل تنوع البيئات المناخية في السودان، أي أن كلّ منطقة من مناطق السودان هي عبارة عن منطقة جغرافية مستقلة بمنظومة غذائية، مستقلة بمنظومة جغرافية وحتى منظومة مناخية، مما يساعد في تنوع الإنتاج.

لذا أقول، إن النهضة الزراعية الحقيقية هي نهضة لتحريك مكنونات الأرض  وجعلها منتجة... وللأسف هناك قصور في عملية تحريك الأرض والاستفادة من التنوع الموجود بالسودان، لذا علينا أن نعمل على استصلاح الأرض وأن يكون لدينا تحريك لمكنونات الأرض وتطوير العمليات الإنتاجية، وأنماط الزراعة. فالشاهد أنه ومنذ سنوات خلت فإن مناطق الإنتاج معروفة ومحدودة، لم يحدث لها أي تطوير فقط لدينا مشروع الجزيرة، بجانب مشروعات حكومية معروفة "سنار، السوكي، الرهد، حلفا، طوكر"، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى عمل زراعي مفتوح وكبير نشرك فيه القطاع الخاص المحلي الوطني وحتى المستثمرين الأجانب... نحن نحتاج إلى أن ننفتح على العالم في عملية الإنتاج الزراعي نفسها، بحيث نقدم الأرض والخبرة، والمستثمر يقدم المال والتقنيات الزراعية التي نفتقدها في جانب من جوانب العمل الزراعي. هذه هي النهضة الزراعية التي نفتقدها وننشدها الآن، حيث أن الزراعة في السودان ما زالت تقليدية، زراعة قطاعية، إعاشية غير مواكبة للتقنيات العالمية والخبرات التي أصبحت الآن مطلوبة في العمل الزراعي، وأصبح العمل الزراعي ليس إعاشيًا فقط ولا محليًا بل عملًا تُستخدم فيه التقنيات الحديثة الواسعة والتحول الرقمي. يجب أن يكون لدينا زراعة علمية واسعة وتجارية، وأن نستخدم مكنونات الأرض بصورة كاملة وصحيحة، لأن المستغل في الزراعة الآن ضعيف جدًا مقارنة بالمساحات الصالحة للزراعة، ويجب استغلال كل المساحات بصورة صحيحة وسليمة، خاصة في الولايات ذات الإمكانات الكبيرة في عملية الإنتاج... وعملية تحريك الإنتاج فقط تحتاج للعون الفني المركزي المتقدم... العون الفني المركزي والذي يجعل الولايات تعتمد على نفسها في عملية الإنتاج بصورة مستمرة ومستدامة حتى تكون ولايات منتجة ومعطاءة وهي النهضة الزراعية المطلوبة.

- ما هي التحديات التي تواجه القطاع الزراعي؟

= ارتفاع تكاليف الإنتاج خاصة المدخلات الزراعية، أكبر التحديات التي تواجه العملية الإنتاجية. فارتفاع التكاليف بسبب عوامل كثيرة على رأسها استيراد تلك المدخلات، في الوقت نفسه هنالك مدخلات إنتاج يمكن توطينها داخل السودان، وما زلنا نستوردها حتى الآن وهي ذات تكاليف عالية، وبالتالي فإن المنتج لا يستطيع أن يصل إليها إلا في ظل وجود تمويل كافٍ آمنٍ يستطيع من خلاله الوصول لهذه المدخلات في الزمان والمكان المناسبين للعملية الزراعية... فالشاهد أن ارتفاع التكاليف وراءه عوامل كثيرة على رأسها كما ذكرت الاستيراد، وهنالك مدخلات ما زلنا نستوردها وبمبالغ ضخمة مثل الخيش، كما وأن الوقود الذي يوجه للزراعة يتم استيراده، لذا فإن ارتفاع التكاليف هذه يؤثر على أسعار المنتج والتي تصل لأسقف عالية من الأسعار التركيزية على المنتج النهائي، وبالتالي تحتاج لأسواق محددة قد لا يستطيع المستهلك البسيط الوصول إليها، وهي سلسلة مترابطة ببعضها لا تستطيع أن "توزنها" ما لم تنظر إلى الجوانب كافة بعين فاحصة.

فالعملية الإنتاجية الزراعية مربوطة بركيزة توافر الغذاء، وعلى الدولة أن تعمل على دعم وتطوير وتحديث القطاع الزراعي والعمل الزراعي وتطويره وتوسع المساحات الزراعية الموجودة والاستفادة من التنوع المناخي الكبير. بجانب الاستفادة من إمكانية إنتاج أنواع غذائية بصورة أكبر وبصورة أوسع وبصورة تمكن حتى من تغذية القطاعات الاقتصادية الأخرى كقطاع الصناعة مثلًا، بحيث يكون هنالك صناعات تحويلة غذائية والاستفادة من الخام داخليًا وتجهيزها للصادر وفتح أسواق جديدة. 

وأقول مع بشريات وقف الحرب سيشهد العمل الزراعي نهضة وانطلاقًا من دون أي معوقات أو تحديات أو مشاكل محلية، وسنستفيد من كل الإمكانات ومن كل الخبرات البشرية السودانية والطاقات الفكرية الكبيرة التي يمكن أن تطور وتقدم خبراتها إذا ما أتيحت لها الفرص.

ويجب الاستفادة من الأرض بالقانون ونستقطعها لكل من يستطيع أن يفلحها وأي (زول) يستطيع أن يفلح هذه الأرض تستقطع له منها بتنظيم من الدولة وتحت رعاية فنية كبيرة من الزراعيين في كل مكان، وبهذا نستطيع أن نحرك الإنتاج وأن نجعل البلد كلها منتجة وأن لا يحصر الإنتاج الزراعي فقط في مشاريع محددة.

         

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...