صوت الأمة- ناهد محمد
لطالما احتفظت مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بمكانة خاصة في التاريخ الاقتصادي والجغرافي للسودان. فالمدينة، الملقبة بـ"عروس الرمال"، تعدُّ من أعرق المدن السودانية وأكثرها أهمية، بفضل موقعها الاستراتيجي الذي جعلها حلقة وصل بين غرب البلاد ووسطها، ومركزًا رئيسًا للتجارة والنقل منذ عقود.
وتقع الأبيض في قلب السودان الغربي، حيث تتقاطع عندها خطوط السكك الحديدية والطرق القومية ومسارات القوافل التاريخية، كما كانت في السابق محطة رئيسة على طريق قوافل الحج القادمة من نيجيريا ودول غرب أفريقيا، الأمر الذي أكسبها مكانة اقتصادية وتجارية بارزة.
غير أن المدينة، التي كانت يومًا بوابة غرب السودان، تواجه اليوم واحدة من أخطر مراحلها، مع تصاعد الهجمات وتضييق الطوق العسكري حولها، وسط تحذيرات أممية ودولية من تحولها إلى "الفاشر أخرى"، إذا استمرت العمليات العسكرية واتسعت رقعة الحصار.
وفي ظل استمرار القصف وتعطل طرق الإمداد، يواجه سكان الأبيض أوضاعًا إنسانية متدهورة، مع تزايد المخاوف من تفشي الجوع والأمراض نتيجة نقص الغذاء والدواء، بينما تتزايد الدعوات المحلية والدولية لتجنيب المدينة مصيرًا مشابهًا لما شهدته مدن سودانية أخرى أنهكتها الحرب والحصار.
تحذيرات من تكرار سيناريو الفاشر في الأبيض
تتزايد التحذيرات الإقليمية والدولية من خطر انزلاق مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى كارثة إنسانية، مع استمرار الحصار وتصاعد الهجمات على المدينة، في ظل مخاوف من تكرار السيناريو الذي شهدته مدينة الفاشر.
وحذر الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، من كارثة إنسانية وشيكة تهدد الأبيض، داعيًا إلى تحرك عربي ودولي عاجل للحيلولة دون تفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية.
وقال فهمي، في بيان، إنه يتابع "بقلق بالغ" التطورات في المدينة، مشيرًا إلى أن أكثر من نصف مليون مدني، بينهم عشرات الآلاف من النازحين، يواجهون حصارًا وقصفًا متواصلًا بطائرات مسيّرة، قال إن قوات الدعم السريع تنفذه ويستهدف الأسواق والمدارس والمستشفيات، إلى جانب مرافق المياه والكهرباء.
وأضاف أن استمرار الحشد العسكري حول المدينة، واستهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، ينذر بتكرار ما شهدته مدينة الفاشر، على الرغم من التحذيرات الدولية المتكررة من مخاطر وقوع انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وعلى الرغم من الحصار المفروض على مدينة الأبيض، فإنها لا تزال تحتفظ بمكانتها بوصفها "عروس الرمال"، ونقطة الارتكاز الاقتصادية في غرب السودان. فالمدينة، التي اشتهرت بإنتاج وتسويق المحاصيل النقدية، وفي مقدمتها "الصمغ العربي، والسمسم، والفول السوداني"، تمثل مركزًا تجاريًا واستراتيجيًا يربط ولايات كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد.
وتمنح هذه المزايا النسبية الأبيض أهمية تتجاوز بعدها الجغرافي، إذ ينظر إليها باعتبارها مفتاح السيطرة على إقليم كردفان، وهو ما يفسر تصاعد الهجمات ومحاولات تطويقها عسكريًا، في مسعىً للسيطرة على مواردها وشبكاتها التجارية وموقعها الاستراتيجي، الذي ظل لعقود أحد أبرز روافد الاقتصاد السوداني.
ثقل اقتصادي
يؤكد الخبير الاقتصادي علي الله عبد الرازق، الأهمية الاستراتيجية لمدينة الأبيض وثقلها الاقتصادي، بوصفها العاصمة التجارية لولايات غرب السودان.
ويقول في حديثه لـ"صوت الأمة"، إن المدينة تحتضن أكبر بورصة للمحاصيل الزراعية والصمغ العربي في العالم، ما يجعلها مركزًا رئيسًا لتداول وتسويق المنتجات الزراعية القادمة من ولايات كردفان ودارفور، قبل انتقالها إلى الأسواق المحلية وموانئ التصدير.
ويضيف أن الأبيض تمثل ملتقى طرق استراتيجيًا يربط مناطق الإنتاج في دارفور وكردفان بوسط السودان والعاصمة الخرطوم، الأمر الذي أكسبها دورًا محوريًا في حركة التجارة والنقل وسلاسل الإمداد.
ويشير عبد الرازق إلى أن المدينة تعد القلب النابض لتجارة الصمغ العربي، لوقوعها في قلب حزام إنتاجه، وهو ما جعلها لعقود مركزًا رئيسًا لتجميعه وتصديره، فضلًا عن كونه أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد السوداني، الأمر الذي يفسر الأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها في ظل الصراع الدائر، والسعي للسيطرة على مواردها وموقعها الحيوي.
نقطة تجميع وتصدير
يشير الخبير الاقتصادي الدكتور علي الله عبد الرازق، إلى أن مدينة الأبيض تتمتع بمقومات اقتصادية جعلتها واحدة من أهم المراكز التجارية في السودان، بفضل وجود بورصة الأبيض للمحاصيل، التي تعد من أكبر أسواق المحاصيل الزراعية في البلاد، حيث يجري عبرها تداول وتصدير عدد من المحاصيل النقدية، من بينها "السمسم، والفول السوداني، والكركدي".
ويضيف أن المدينة تحتضن كذلك أحد أكبر أسواق الماشية في السودان، ما يجعلها مركزًا مهما لتجميع وتجارة الثروة الحيوانية، ونقطة انطلاق لتصدير اللحوم والجلود إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
ويؤكد عبد الرازق، أن الموقع الجغرافي للأبيض منحها أهمية إضافية، باعتبارها ملتقى طرق يربط بين شرق السودان وغربه وشماله وجنوبه، وهو ما جعلها ممرًا حيويًا لحركة السلع الأساسية والإمدادات الغذائية المتجهة إلى ولايات دارفور.
كما يشير إلى أن المدينة تكتسب أهمية استراتيجية أخرى لمرور خطوط أنابيب النفط القادمة من مناطق الإنتاج في جنوب السودان وكردفان باتجاه ميناء بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، تمهيدًا لتصديرها إلى الأسواق الخارجية.
"سُرَّة السودان" ومركز الربط الجغرافي
ويصف نائب رئيس لجنة التجارة والصناعة في مجلس الولاية السابق، المهندس فؤاد قباني، مدينة الأبيض، بأنها "سُرَّة السودان" ووسطه النابض بالحياة منذ القدم، لما تتمتع به من موقع جغرافي جعلها نقطة التقاء لأهم الطرق البرية التي تربط أقاليم البلاد ببعضها بعضًا.
ويشير قباني إلى أن أهمية المدينة كونها حلقة وصل بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، عبر شبكة طرق تربطها بمختلف أنحاء السودان، من بينها طريق "الأبيض- الدبيبات- الدلنج- كادقلي"، الممتد نحو جنوب السودان والجبال الشرقية.
كما ترتبط المدينة بطريق "الأبيض- النهود" الذي يمثل بوابة عبور إلى ولايات دارفور، إضافة إلى طريق "الأبيض- بارا- جبرة الشيخ- أم كدادة- المزروب"، الذي يتفرع غربًا نحو دارفور، ويمتد عبر منطقة الحمرة باتجاه ليبيا.
ويضيف أن طريق الصادرات الذي يربط "الأبيض- بارا- أم درمان"، يمثل أحد الشرايين التجارية المهمة، إذ يتصل بالطريق الغربي المؤدي إلى دنقلا ثم مصر، فيما يربط طريق "الأبيض- كوستي" المدينة بشبكة الطرق المتجهة شرقًا إلى ودمدني وبورتسودان، وشمالًا إلى الخرطوم.
ويؤكد قباني أن هذا الموقع جعل الأبيض عبر تاريخها مركزًا حيويًا لحركة التجارة والنقل، ومنحها دورًا استراتيجيًا في ربط غرب السودان ببقية مناطق البلاد والأسواق الإقليمية.
وقال قباني في حديثه لـ"صوت الأمة"، إن هذه المميزات مجتمعة جعلت من مدينة الأبيض ملتقىً حيويًا للطرق، يربط مختلف أقاليم السودان ببعضها بعضًا.
وأضاف أن المدينة تضم مطارًا دوليًا غير مفعّل حاليًا، كان ينظر إليه بوصفه مطارًا احتياطيًا لمطار الخرطوم، مشيرًا إلى أن المطار يتميز بمدرج طويل قادر على استقبال مختلف أنواع الطائرات، الأمر الذي يمنحه أهمية استراتيجية في حال إعادة تشغيله وتطويره ليخدم حركة النقل الجوي والتجارة.
مركز للصمغ العربي
يشير المهندس فؤاد قباني، إلى أن مدينة الأبيض تتمتع بثقل اقتصادي كبير، إذ تحتضن واحدًا من أكبر أسواق الصمغ العربي في العالم، إلى جانب شهرتها بصناعة زيوت الفول السوداني والسمسم، فضلًا عن كونها من أهم مراكز إنتاج وتجارة حب البطيخ في السودان.
ويضيف أن الأهمية الاقتصادية للمدينة انعكست على وجود مختلف المصارف العاملة في البلاد، حيث تضم فروعًا لمعظم البنوك السودانية، كما يعد فرع بنك السودان المركزي في الأبيض، من أهم فروع البنك خارج العاصمة الخرطوم.
ويشير قباني إلى أن المدينة تضم كذلك محطة رئيسة للسكك الحديدية، إلى جانب محطة لشحن البضائع والماشية، ما يعزز دورها كمركز لوجستي لحركة التجارة ونقل المنتجات بين مناطق الإنتاج والأسواق المحلية.
ويؤكد أن المنطقة الصناعية في الأبيض تمثل واحدة من أكبر المناطق الصناعية في غرب السودان، واشتهرت بعدد من الصناعات والخدمات المرتبطة بالنقل والزراعة، من بينها تصنيع صناديق الشاحنات، وإنتاج قشارات الفول السوداني، وصيانة محركات وآليات النقل الثقيلة، الأمر الذي منحها أهمية اقتصادية إضافية، وجعلها أحد المحاور الصناعية الرئيسة في الإقليم.
مركز لوجستي يربط غرب السودان ببقية البلاد
ويصف الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، مدينة الأبيض، بأنها واحدة من المدن الاقتصادية الكبرى في السودان، مشيرًا إلى أنها ظلت على مدى عقود تمثل نقطة ارتكاز ودعم لوجستي رئيسة لغرب البلاد، كما لعبت دورًا مهمًا في إسناد ولايات غرب السودان، إضافة إلى جنوب السودان قبل الانفصال.
ويشير الناير إلى أن المدينة تحتضن بورصة محاصيل كبيرة تعد من أهم أسواق المحاصيل في البلاد، وتأتي في المرتبة الثانية بعد بورصة محاصيل القضارف، حيث تشهد تداول كميات كبيرة من المحاصيل النقدية، ما منحها أهمية اقتصادية ممتدة عبر تاريخها.
ويضيف أن الموقع الجغرافي للأبيض جعل منها مدينة محورية تربط وسط السودان بغربه، عبر شبكة من الطرق الحيوية، أبرزها طريق الصادرات "الأبيض- بارا- أم درمان"، الذي كان يمثل شريانًا تجاريًا مهمًا لاختصار المسافة بين العاصمة والمدينة إلى نحو (300- 350) كيلو مترًا، لكنه توقف عن العمل في ظل الظروف الأمنية الحالية.
وأوضح أن حركة النقل تعتمد حاليًا بصورة أكبر على الطريق القديم "الأبيض- كوستي- الخرطوم"، في ظل تعطل بعض المسارات الحيوية بسبب تداعيات الحرب.
ويؤكد الناير أن أهمية الأبيض لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، لكنها تمتد إلى أبعاد استراتيجية وأمنية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي ودورها في ربط أقاليم السودان المختلفة، ما يجعلها واحدة من المدن المحورية في غرب البلاد.



التعليقات (0)
جاري التحميل...