عبدالله برير
مدني النخلي شاعر يكتب للحب كما لو أنه يستعيد مواسمه الأولى؛ يسكب في مفرداته رائحة الربيع ودفء الذاكرة، ويمنح الأشياء البسيطة أرواحًا نابضة. في شعره يظل الجمال متجددًا، وتبقى المحبة شجرة مورقة مهما امتدت الأيام. وتأتي أغنية "سفر العمر" شاهدةً على هذا العالم المفعم بالرقة والدهشة.
اندهاش مرحلي اعترى مكنونات اللحظة إزاء انبهار الشاعر بثبات ملامح محيا المحبوبة التي لربما تكون متدثرة بثياب الرمزية؛ فهي من لم يستطع الزمان محو ملامحها، ولم يقوَ سفر العمر على اجترارها إلى محطات تجاعيد الروح: (ما بان عليك سفر العمر).
حيث تبدل ديكور المشهد عوضًا عن ذلك بتدخل إزميل النخلي، الذي أحال اللوحة إلى جدارية معنوية، وأبدل أثر الزمن بنسيم الربيع الذي اعترى بستان المحبوبة لتوه: (لسة الربيع يا دابو زار).
ما يعني بواكير جمال العمر وصباح الدفء الذي ازدان بمقدم فصل الروعة؛ فها هي الضفاف المترعة تفيض ندىً وتتدفق ثمارًا، وما فتئت بساتين الحب مترعةً بتساب الحنين، نديةً بأشهى ثمار العمر.
يضع النخلي ذخيرة مفرداته الموغلة في العذوبة بين ظفري النص: الربيع، الضفاف، الندى، الثمار. وهو يتلاعب بهرمية المفردات حين يقدم المنبهرين: (الناس)، الذين ناداهم فأل المحبوبة حتى اجتاحت عيونهم غمامات الاندهاش. وبين هذه اللوحات تنزف لديه جراح الودار: (وأنا جوة قلبي المشتهيك).
يتداعى مد الألق، ويرسم الفنان لوحة أخرى قوامها الفرح والأطفال؛ كرنفال زفاف مكتمل بلمة الجمال: (جوة العيون أطفال فرح لمة زفاف).
يأتي مصطفى سيد أحمد بلازمة موسيقية تتماهى وقوس قزح اللحظة، ويطيل الفرح بزغرودة المد الصوتي في (زفاااف)، وفي المقابل يرحل الجفاف من تلك المقل، وتشرق الشموس.
وقبل ذلك يلخصها بأزمان غارقة في النعيم، معيدًا متلازمة أحرف البهاء: (حنان غمر عاشقين رهاف).
هنا يتداخل الصوت مع الكلمة، فيتحول الأداء إلى امتداد طبيعي للحالة الشعرية، فتكتمل اللوحة بين رهافة النص ودفء اللحن.
الأداء التجريدي لمصطفى يبدو جليًا في: (يا زهرة طالت بالفرح)؛ إذ يدلف بأذن السامع إلى تطاول قامة الزهرة، بمد ألف الجمال بالفرح في تطريب عالٍ، حتى تلامس أنوار المساء.
لم تعرف الزهرة امتداد أيادي القطاف لثمار العمر، ولم تزرها أيام القسا. وفي أبهى حلل الغزل يحتضن الكاتب أحرف الود: (ما أروعك وانتي الشباب بحمرة الريد اكتسى)، فيناديها بروعة الشباب الذي اكتسى بحمرة الحب، في توادٍ لطيف.




التعليقات (0)
جاري التحميل...