محمد الأمين عبد النبي

 

في المقالين السابقين، تناولنا كيف تحولت الحرب عند البرهان وحميدتي من طريق ظنّا أنه يقود إلى الحسم، إلى متاهة تستنزف الجميع، وأن الهدنة لم تعد سوى مسألة وقت، وأن الاستجابة للورقة الأمريكية تظل المدخل الأكثر واقعية للخروج من هذا النفق. لكن هناك طرفًا ثالثًا لا يقل مأزقًا، وربما يواجه الأزمة الأكثر تعقيدًا: الإسلامويون الذين راهنوا على الحرب لاستعادة ما انتزعته منهم ثورة ديسمبر، فإذا بالحرب تضع مشروعهم أمام أخطر اختبار منذ سقوط نظامهم.

فالإسلامويون يواجهون اليوم حصارًا مركبًا: دوليًا، تلاحقهم العقوبات والتصنيف بالإرهاب، ولم يعد المجتمع الدولي وهو يبحث عن تسوية قابلة للحياة، يرى فيهم شريكًا موثوقًا في صناعة المستقبل. وإن حضورهم في أي ترتيبات سياسية بات يمثل عبئًا على أي مسار يسعى إلى إنهاء الحرب واستعادة الدولة.

وإقليميًا، تراجعت حركات الإسلام السياسي التي كانت تشكل لهم سندًا أو مظلة، بين تفكك وحظر وحصار ومنافٍ وسجون. أما الإسلامويون السودانيون، الذين كانوا يقدمون أنفسهم يومًا نموذجًا لمشروع الإسلام السياسي، فقد تحولوا إلى نموذج تحذيري من مخاطر احتكار الدولة وتسخير مؤسساتها لمصلحة التنظيم.

أما المأزق الأشد قسوة فيكمن في الداخل. فقد ضرب الانقسام التنظيم، وتعمقت صراعات الأجنحة، وتبادلت القيادات الاتهامات وتحميل المسؤوليات. واستنزفت الحرب كوادر وموارد، وتآكلت شبكات المصالح التي راكمها التنظيم خلال سنوات التمكين. فالتنظيم الذي يخسر رجاله وماله وتماسكه في آن واحد، لا يملك كثيرًا من أوراق المناورة.

والأكثر دلالة أنهم دخلوا الحرب وهم يعتقدون أنهم يستطيعون ركوب ظهر المؤسسة العسكرية إلى السلطة، ثم الإمساك باللجام بعد الوصول. لكن التحالف غير المعلن ظل تحالف مصالح تحكمه التناقضات وحسابات التخلص المتبادل. فالجيش، الذي يحتاج إلى استعادة مهنيته وشرعيته وقبوله، يدرك أن استمرار ارتباطه بتنظيم مثقل بإرث التمكين والعقوبات يمثل قيدًا. وحين تأتي لحظة المقايضة، سيجد الإسلامويون أول من يدفع ثمنها.

والمفارقة أنهم، بالرغم من كل ذلك، لم يجروا مراجعة حقيقية لمشروعهم، بل واصلوا المناورة، وأصروا على التعبئة وخطاب الكراهية، بينما تتراجع القناعة بجدوى الحرب حتى داخل صفوفهم. ولعل خروج كتائبهم من جبهات القتال، أيًّا كانت مبرراته، يكشف انتقال الحسابات من سؤال "كيف ننتصر؟" إلى سؤال "كيف نحفظ ما تبقى؟". وبينما تتآكل قدرتهم على مواصلة الحرب، يسعون إلى الاحتفاظ بنفوذهم داخل مؤسسات الدولة، وإلى دخول العملية السياسية، وكأنهم يستطيعون أن يكونوا جزءًا من الحل بعد أن كانوا جزءًا أساسيًا من أسباب الأزمة.

وهنا يكمن مأزقهم: تنظيم مأزوم ومعزول، لكنه لا يزال يراهن على إطالة الحرب واستخدام السلاح لحماية موقعه. ولذلك ترفض قوى مدنية واسعة مكافأة هذا الرهان بإدخاله إلى العملية السياسية قبل فك ارتباطه بالدولة والمؤسسة العسكرية.

 

وليس أمام الإسلامويين، إذا أرادوا الخروج من هذه الورطة، سوى مراجعة جذرية تبدأ بفك الارتباط بين التنظيم والمؤسسة العسكرية، وإنهاء أي تشكيلات مسلحة أو واجهات تستند إلى القوة، والاعتراف بالمسؤولية السياسية والأخلاقية عن سنوات التمكين والحرب، والقبول بمحاسبة عادلة ترد الحقوق وتمنع الإفلات من العقاب.

بعد ذلك فقط يمكنهم العودة إلى الفضاء المدني، كقوة سياسية لا كتنظيم يستند إلى السلاح. فالسودان يحتاج إلى تأسيس قواعد جديدة للعملية السياسية؛ الدولة للجميع، والجيش مؤسسة وطنية مهنية، والسياسة تُحسم بالتفويض الشعبي. أما الإصرار على إعادة إنتاج تجربة سقطت بثورة شعبية ثم حاولت الحرب إعادتها، فلن يعيد لهم السلطة، بل سيعمق عزلتهم. (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...