محمد الأمين عبد النبي

 

استعرضنا مأزق البرهان، وكيف تحولت التحالفات التي أرادها سندًا عسكريًا وسياسيًا إلى قيد على قرار الحرب والسلام. وفي هذه المساحة، نستعرض مأزق حميدتي، الذي لا يقل تعقيدًا. فالدعم السريع، أصبح يواجه مأزقًا مركبًا يتعلق بالوضع العسكري، والانتهاكات، والتحالفات، والشرعية.

أول هذه المآزق أن الدعم السريع دخل الحرب بسردية دفع ثمنها، فقد ظهرت مؤخرًا انشقاقات وتصدعات في صفوفه، كما تعرض لتراجعات  واضحة في عدد من الجبهات. وفي الوقت ذاته، تلاحقه اتهامات بارتكاب انتهاكات، وهو ما يجعل مستقبله أكثر تعقيدًا، لأن أية عملية جادة لا يمكن أن تتجاوز سؤال العدالة والمساءلة.

ويضاف إلى ذلك مأزق تناقض الخطاب. فقد أعلن حميدتي عن رغبته في وقف الحرب والتفاوض، لكن الفجوة بين هذا الخطاب وبين استمرار الرهان على الحسم العسكري تجعل هذا الموقف موضع اختبار. ويُفهم توظيف خطاب السلام كوسيلة لتخفيف الضغوط. والمشكلة ليست في إعلان الرغبة في السلام، وإنما في مدى ترجمة ذلك إلى قرارات تجعل السلام خيارًا فعليًا.

أما تحالفه مع الحركة الشعبية، الذي فرضته ضرورات الميدان، فلم يمثل إضافة عسكرية، وسرعان ما برزت التباينات في الرؤى؛ حيث يملك كل طرف تصوراته الخاصة بشأن الدولة والهوية. وقد جمعت الحرب بينهما دون أرضية مشتركة كافية لإدارة دولة، وقد تحول لاحقًا إلى عبء سياسي.

وتبرز أزمة "تأسيس" كواحدة من أكثر نقاط الضعف وضوحًا. فالحكومة الموازية لم تنجح في اكتساب الشرعية، بفعل غياب الاعتراف الدولي والإقليمي، مما جعلها تواجه أزمة شرعية موازية. والأكثر خطورة أن سياساتها اتجهت إلى تكريس واقع إداري إنفصالي، بما عزز مخاوف تكريس انقسام البلاد، وأسهم في تصاعد خطابات الجهوية والكراهية. كما أن محاولة الوصول إلى السلطة عبر السلاح، تجعل الحكومة الموازية أقرب إلى امتداد للصراع المسلح منها إلى مشروع سياسي قادر على توحيد السودان.

ولم ينجح الدعم السريع، في استقطاب قاعدة واسعة من قوى الثورة. وهذه نقطة جوهرية؛ فالقوى المدنية التي يمكن أن تمنح المشروعية السياسية لا تستطيع تجاهل أسئلة الانتهاكات والعدالة وطبيعة العلاقة بين السلاح والدولة.

وهنا تتبدى أزمة حميدتي الأساسية: تراكم القوة العسكرية لم يتحول إلى شرعية، وتحالفاته السياسية لم تتحول إلى مشروع سياسي، وخطاب السلام لم يتحول إلى مسار حاسم لإنهاء الحرب. ولذلك فإن الرهان على تسوية ثنائية، على شاكلة تقاسم السلطة والثروة بين المتحاربين، يصطدم بتعقيد المشهد السوداني.

لكن هذا المأزق، بالرغم من خطورته، ليس بلا أفق. ويبدأ الخروج منه بفك القيود التي فرضتها الحرب على قراره السياسي. فقبول الورقة الأمريكية يمكن أن يفتح الطريق أمام وقف القتال وبناء عملية سياسية على أساس أوسع من الترتيبات الثنائية. والمطلوب من الدعم السريع، في هذا السياق، أن يحول رغبته في السلام إلى قرارات عملية، وأن يقبل بأن مستقبله السياسي لا يُحسم بالبندقية. فالمطلوب الاتفاق على مسار لإعادة بناء جيش مهني واحد، وتحديد مستقبل الدعم السريع من خلال ترتيبات أمنية تشمل نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وفق معايير واضحة.

كما أن تحالف "تأسيس" يحتاج إلى مراجعة شجاعة؛ فالاستمرار في سلطة موازية لن يحل أزمة الشرعية، بينما يمكن لفك الارتباط والانخراط في العملية السياسية أن يحولا هذا التحالف من مشروع سلطة موازية إلى طرف سياسي أساسي.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...