​محمد الأمين عبد النبي

 

تتناول هذه المساحة أبعاد تعقيدات المشهد من خلال تفكيك التشابكات المؤثرة في مسار الصراع، ويستعرض هذا الجزء مأزق البرهان.

 

​لم يعد مأزق الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في الحرب مقتصرًا على صعوبة الحسم العسكري، فقد أصبح مرتبطًا بصورة أعمق بالتركيبة السياسية والعسكرية التي أنتجتها الحرب. فالمفارقة أن الجيش، وهو يخوض حربًا ضـد قوة عسكرية موازية، وسع دائرة تحالفاته العسكرية بقوى أخرى، الأمر الذي يجعل الانتقال إلى منطق الدولة أكثر صعوبة.

 

​وتظهر هذه المعضلة بوضوح في التعامل مع المبادرات الدولية والاعتراضات التي تصدر من القوى المتحالفة، والتي تكشف عن مشكلة أعمق. فبالنسبة إلى أطراف اكتسبت خلال الحرب موقعًا عسكريًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا، فإن أية تسوية تعيد ترتيب موازين القوة وتفتح الباب أمام ترتيبات جديدة، يمكن أن تعني فقدان النفوذ الذي راكمته أثناء الحرب.

 

​وهنا يظهر المأزق؛ فكلما أصبح القائد أكثر اعتمادًا على حلفائه المسلحين، تقلصت قدرته على اتخاذ قرار بشأن نهاية الحرب. وإذا كان القائد يحتاج إلى موافقة قوى شاركته الحرب، فهذا يعني أن تحالف الميدان تحول إلى قيد على القرار السياسي.

 

​ومعلوم بالضرورة، أن القوات المشتركة وكتائب الإسلامويين تختلف في تكوينها وأهدافها ومصالحها في الحرب، مما يجعل الاتفاق على ما بعدها أمرًا عسيرًا، وبالتالي فإن محاولة إرضائهم جميعًا ضربٌ من المستحيل. والمشكلة تكمن في أن تعدد القوى المسلحة التي دخلت الحرب خلق تعددية في مراكز القوة والمصالح والقرار، مما يجعل إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة أكثر تعقيدًا.

 إذا استشفيتَ من داءٍ بداءٍ فاقتلُ ما أعلَّك ما شفاكا.

 

​والأخطر أن هذه التشوهات قد انتقلت بالفعل إلى مستقبل العملية السياسية، وأصبحت تتحكم في المصير الوطني. فإذا جرى التفاوض على أساس موازين القوة التي أفرزتها الحرب، فقد يصبح حمل السلاح طريقًا للحصول على مقعد سياسي، أو نفوذ مؤسسي، أو امتياز اقتصادي. عندها لا تكون العملية السياسية آلية للخروج من الحرب، وإنما وسيلة لتجددها.

 

​وتزداد خطورة الأمر مع تراجع المجال المدني، وتسييس القبيلة، وتنامي نفوذ الإسلامويين داخل مؤسسات الدولة. فمحاربة القوى المدنية فتحت المجال أمام نوع جديد من العسكرة ينافس الجيش في وظيفته، ويستخدم السلاح في السياسة، وهنا تتقاطع عسكرة السياسة مع تسييس القبيلة، ومع تمدد نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار، لتنتج بيئة يصعب فيها بناء عملية سياسية مستقلة عن شبكات القوة التي صنعتها الحرب.

 

​ويضاف إلى ذلك مأزق اقتصاد الحرب، الذي أوجد مصالح مرتبطة بالموارد، والأسواق غير الرسمية، والتهريب، والحماية، والسيطرة على مناطق الإنتاج. وكلما طال أمد الحرب، أصبح الانتقال إلى اقتصاد السلام أكثر كلفة على أصحاب المصالح المرتبطة باقتصاد الحرب. وفي الوقت نفسه، تستنزف الحرب موارد الدولة وتعمق أزمتها المعيشية، بينما تتزايد كلفة العزلة الدولية وتظل شرعية السلطة موضع نزاع.

 

​لذلك فإن المأزق الحقيقي لقائد الجيش ناتج عن تحالفاته التي أصبحت عبئًا ثقيلًا عليه. فالجيش الذي دخل الحرب بهدف استعادة احتكار الدولة للسلاح، يجد نفسه أمام ضرورة تفكيك البنية التي أسهم في توسيعها. وإذا لم يحدث ذلك، فإن السودان مقبل على إعادة إنتاج التشوهات التي وفرت ظروف الحرب.

 

​إن الخروج من المأزق يتطلب أن تكون العملية السياسية أكبر من ترتيبات المحاصصة بين حملة السلاح. فالأمر يتطلب وقف الحرب، وإطلاق مسار سياسي مدني واسع، وبناء جيش مهني واحد، وترتيبات شفافة للتعامل مع التشكيلات المسلحة، وتجفيف اقتصاد الحرب، واستعادة استقلال مؤسسات الدولة عن العسكرة، وإعادة بناء المجال المدني.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...