فؤاد حكمت
مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع بدأ الاهتمام يتحول من ساحة القتال إلى العملية السياسية غير أن حواراً يقوم على الإقصاء قد يعمّق تفكك البلاد بدلاً من أن ينهيه
دخلت الحرب في السودان عامها الرابع وقد أدت المكاسب الأخيرة التي حققتها القوات المسلحة السودانية إلى انتقال جانب من الضغط العسكري نحو الجنوب والغرب إلا أنه لا يزال من الصعب تصور حسم عسكري نهائي للصراع فالدعم السريع ما زال متمركزاً في أجزاء واسعة من دارفور في وقت يتواصل فيه تفكك البلاد سياسياً ومؤسسياً وجغرافياً
وفي ظل هذا الواقع بدأ الخطاب السياسي يتغير فالسؤال المطروح بصورة متزايدة لم يعد فقط: من يستطيع كسب الحرب؟ بل أصبح أيضاً: هل يمكن للحوار أن يوفر مخرجاً منها؟
هذا التحول مهم ولكن إذا أسيء تصميم العملية السياسية المقبلة فقد يتحول الحوار الذي يُفترض أن يعيد توحيد السودان إلى أداة لتكريس انقسامه
هناك الآن مساران يتطوران بالتوازي
الأول هو الجهد المدعوم دولياً الذي تقوده «الخماسية» — الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية وقد سعى هذا المسار إلى تهيئة الأرضية لعملية سياسية سودانية شاملة إلا أن التقدم فيه ظل بطيئاً ومحل خلاف فقد أبدت بعض القوى السياسية المهمة تحفظات على هيكله وطبيعة المشاركة فيه ورفض تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك المشاركة في أحدث جولة من المشاورات بينما انخرطت «الكتلة الديمقراطية» بصورة أكثر فاعلية أما تحالف «تأسيس» المتحالف مع قوات الدعم السريع فما زال خارج أي توافق وطني آخذ في التشكل
وفي الوقت نفسه يكتسب الحديث عن حوار سوداني داخلي زخماً متزايداً وقد تتجه السلطات في الخرطوم قريباً إلى دعم تشكيل ذاتي للجنة وطنية تُكلّف بالإعداد لهذا الحوار والإشراف عليه
ولا شك أن للحوار المنطلق من الداخل السوداني مزايا واضحة ففي نهاية المطاف يجب أن تكون التسوية السياسية في السودان ملكاً للسودانيين لكن الملكية السودانية للعملية لا ينبغي أن تختلط بملكية الحكومة لها
إن مصداقية أي لجنة وطنية ستعتمد على الجهة التي تعيّنها وعلى من يشارك في عضويتها وعلى ما إذا كانت القوى السياسية الواقعة خارج معسكر الحكومة ستنظر إليها باعتبارها مستقلة بالقدر الكافي فإذا اعتُبرت مجرد امتداد للسلطات في الخرطوم فقد تتحول المكاسب العسكرية الأخيرة للقوات المسلحة إلى مكاسب سياسية بدلاً من أن تقود إلى تسوية وطنية حقيقية
وهنا تصبح مسألة الإقصاء بالغة الأهمية
لا يزال تحالف «صمود» شديد التحفظ إزاء فكرة الحوار الداخلي وقد ظل يعارض بصورة متواصلة مشاركة حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً والشبكات الإسلامية المرتبطة بنظام عمر البشير ومصدر هذا القلق مفهوم فكثير من السودانيين يخشون أن تتمكن القوى الإسلامية التي تعبأت إلى جانب القوات المسلحة خلال الحرب من استغلال العملية السياسية لما بعد الحرب لإعادة بناء نفوذها واستعادة بعض ملامح النظام السابق
لكن مخاطر الإقصاء لا تقتصر على طرف واحد
ففي دارفور يعمل تحالف «تأسيس» وقوات الدعم السريع بصورة متزايدة على بناء مؤسسات سياسية وإدارية وأمنية موازية كما أن قيادة الدعم السريع ما زالت تتحدث بمنطق عسكري وتسعى إلى تغيير ميزان القوى قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية
والنتيجة هي واقع يزداد خطورة: فالسودان لم يعد منقسماً فقط بين قوتين عسكريتين بل بات يشهد تدريجياً نشوء منظومتين متنافستين للسلطة السياسية
ومن هنا فإن حواراً يستبعد بصورة دائمة كلاً من «تأسيس» والتيارات الإسلامية لن يكون على الأرجح قادراً على معالجة الانقسام الجوهري في بنية الدولة
ولا يعني ذلك المساواة بين الطرفين سياسياً أو أخلاقياً كما لا يعني منح أي منهما حصانة أو شرعية أو مقعداً تلقائياً في أي حكومة مستقبلية فمسألة المساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال هذه الحرب يجب أن تظل جزءاً أساسياً من أي تسوية نهائية
لكن عمليات السلام يجب أن تميز بين المشاركة في إنهاء النزاع وبين الاستحقاق السياسي في مرحلة ما بعده
ليس من الضروري أن يجلس كل فاعل على طاولة اللجنة التحضيرية منذ البداية بل قد تكون لجنة صغيرة وذات مصداقية أكثر قدرة على وضع قواعد العملية كما ليس ضرورياً أن تشارك كل القوى في جميع المراحل
لكن القوى السياسية والعسكرية القادرة على تعطيل تنفيذ أي تسوية لا يمكن ببساطة استبعادها من العملية إلى أجل غير مسمى
ومن ثم فإن حواراً مبتوراً قد يعمّق الانقسام ذاته الذي يُفترض أن يعالجه
وعليه فإن القضية المركزية ليست ما إذا كان الحوار سيُعقد في الخرطوم أو أديس أبابا أو أي مكان آخر وإنما تكمن في كيفية تصميم العملية نفسها
فإذا شُكّلت لجنة وطنية ينبغي أن تكون مهمتها الأولى تحديد هندسة الحوار وبنيته لا مجرد الإعداد لمؤتمر سياسي واسع
ويجب أن توضح ما الذي يُراد للحوار أن يقرره وكيف ستُمثّل مختلف القوى والمكونات وأي الأطراف تشارك في كل مرحلة وكيف ترتبط العملية السياسية المدنية بمفاوضات وقف إطلاق النار وكيف ستُعالج قضايا الترتيبات الأمنية الانتقالية والمساءلة والمسائل الدستورية
وفوق ذلك كله يجب أن تجيب عن أصعب سؤال يواجه السودان: كيف يمكن لبلد تتنازع داخله جيوش وسلطات ومناطق نفوذ متنافسة أن يعود إلى دولة واحدة؟
وهنا تبرز أهمية العلاقة بين الحوار الداخلي ومسار الخماسية
فلا ينبغي أن يتحولا إلى عمليتين متنافستين
يجب أن تظل اللجنة الوطنية سودانية التكوين والملكية مع الاستفادة في الوقت نفسه من الخماسية في مجالات الخبرة الفنية والتيسير والتواصل مع الأطراف التي قد يتعذر عليها المشاركة داخل السودان في المراحل الأولى فالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وبقية أعضاء الخماسية يمتلكون خبرات واسعة في تصميم الحوارات الوطنية والوساطة وترتيبات وقف إطلاق النار وإدارة المراحل الانتقالية
ولا ينبغي أن يكون دورهم امتلاك العملية السياسية بل الإسهام في جعلها أكثر مصداقية
ومن شأن ذلك أيضاً أن يخفف من مخاوف «صمود» من أن يقع الحوار الداخلي تحت سيطرة طرف واحد فالدعم الدولي والإقليمي يمكن أن يوفر ضمانات ويسهّل الدبلوماسية المكوكية ويساعد في الربط بين المسارات السياسية والعسكرية والإنسانية
والمخاطر كبيرة لأن السودان يتحرك من مجرد انقسام عسكري إلى حالة من التفكك المؤسسي
فخطوط الجبهة يمكن أن تتغير أما المؤسسات الموازية عندما تترسخ فيصبح تفكيكها أكثر صعوبة بكثير
ولذلك فإن الخيار المطروح هو بين نوعين مختلفين تماماً من الحوار
الأول هو «حوار المنتصرين»: عملية تُحوّل التفوق في ساحة القتال إلى سيطرة سياسية وتحدد مسبقاً من هو الشرعي ومن ليس كذلك وتستبعد أطرافاً لا تزال قادرة على منازعة الدولة
أما الثاني فهو «حوار من أجل إعادة توحيد السودان»
مثل هذا الحوار لا ينبغي أن يكافئ القوى المسلحة أو يعيد تأهيل النظام السابق كما لا ينبغي أن يعفي أحداً من المسؤولية عن الجرائم أو يضمن لأي طرف منصباً سياسياً فغايته أعمق من ذلك: نقل الصراع على السودان من ساحات القتال إلى عملية سياسية ودستورية يمكن أن تنبثق عنها في نهاية المطاف دولة واحدة ذات شرعية
وهذا يتطلب إدماجاً مدروساً ومتدرجاً في مراحله وتوقيته
لا ينبغي السماح للإسلاميين باستخدام الحرب كطريق للعودة إلى سلطة سياسية غير مقيدة وبالمثل لا ينبغي السماح لقوات الدعم السريع وتحالف «تأسيس» بتحويل السيطرة العسكرية على الأراضي إلى دولة موازية دائمة
لكن أياً من المشكلتين لن تُحل بالتظاهر بأن الطرف الآخر غير موجود
إن الاختبار الحقيقي للحوار السوداني المقبل لن يكون في عدد الأحزاب التي تحضر جلسته الافتتاحية وإنما في ما إذا كانت العملية ستوفر مساراً موثوقاً للانتقال من مراكز قوة متنافسة وتشكيلات مسلحة متعددة وادعاءات متعارضة بالشرعية إلى سلطة سياسية واحدة ونظام دستوري واحد وفي نهاية المطاف جيش وطني مهني واحد
السودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد بين أطراف متفقة أصلاً فيما بينها
إنه يحتاج إلى عملية قادرة على إيصال الأطراف المتصارعة على الدولة إلى نقطة لا يستطيع عندها أي طرف أن يدّعي احتكارها
إذا استطاع الحوار المقبل تحقيق ذلك فقد يمثل بداية النهاية للحرب
أما إذا فشل فقد يكتشف السودان أن عملية صُممت بهدف استعادة الوحدة الوطنية قد أسهمت بدلاً من ذلك في إضفاء الشرعية على تقسيمه.
خبير فض وادارة النزاعات
مستشار سابق للمبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي للقرن الافريقي




التعليقات (0)
جاري التحميل...