عامر علي الحاج

مدخل

اعترف الدكتور حسن الترابي صراحةً بتدبير انقلاب 30 يونيو 1989م، وتنفيذه عبر خلية إسلامية سرِّية أدارها خارج الأطر المؤسسية لحزب الجبهة الإسلامية القومية. هذا الاعتراف لا يضيء فقط على لحظة الانقلاب، بل يكشف نمطًا من العمل السياسي- الأمني الموازي الذي وُلد قبل الانقلاب واستمر بعده. وقد ترتّب على ذلك انقسام داخل الحركة الإسلامية نفسها، عارض فيه قياديون بارزون الانقلاب، ثم تطوَّر الخلاف خلال تسعينيات القرن الماضي إلى مفاصلة علنية انتهت بوقوف الترابي وجماعته في مواجهة سلطة الانقلاب العسكري. هذا المسار يثبت وجود علاقة عضوية بين نظام الإنقاذ وخلايا عسكرية- أمنية إسلامية، استمر نشاطها -بصور مختلفة- حتى ما بعد ثورة ديسمبر 2019م وإلى اليوم. صحيح أن هذه الخلايا لا تمثّل كل الإسلاميين السودانيين، لكنها استفادت منهم واستندت إليهم، وهو توصيف أقرَّ به الترابي نفسه وعدد من رموز العمل الإسلامي.

النص

لم ينقطع الحوار بين القوى السياسية السودانية وتيارات الإسلام السياسي، بل اتخذ أشكالًا ومحطات متعددة. من أبرزها عودة الشريف زين العابدين الهندي، ولقاء جيبوتي أواخر التسعينيات بين عمر البشير والإمام الصادق المهدي، ثم مشاركة قوى التجمع الوطني الديمقراطي في ترتيبات اتفاق السلام الشامل وهياكل السلطة حتى 2010م. وقبيل التغيير الثوري، جاءت مبادرة الحوار الوطني، وبعده شارك حزب المؤتمر الشعبي وأطراف إسلامية أخرى في مفاوضات الاتفاق السياسي الإطاري، واستمر التواصل -even بعد اندلاع الحرب- إلى يومنا هذا. بهذا المعنى، لم يغب الإسلاميون عن ساحة الحوار الوطني، فما سرّ السؤال المتكرر عن تغييبهم؟

الإجابة تكمن في خلطٍ متعمّد بين الإسلاميين كتيار اجتماعي- سياسي واسع، وبين فلول بنية النظام الساقط المرتبطة بـ حزب المؤتمر الوطني، وبمراكز مدنية وعسكرية قاومت التغيير سِلمًا أو عنفًا. حصرُ الإسلاميين في هذا الحزب وحده طرحٌ قاصر ومضلِّل؛ فالأدقّ التمييز بين الحزب ومصالحه وتحالفاته داخل بنية السلطة، وبين الإسلاميين السودانيين بوصفهم مكوّنًا اجتماعيًا وسياسيًا متنوعًا لا يمكن شطبه من معادلة الحاضر أو المستقبل. إن أي جهد جادّ لجمع الصف الوطني لا يستقيم دون هذا الفصل التحليلي والأخلاقي.

خاتمة ومعيار مقترح

لتوسيع أفق الحوار وضمّ أكبر عدد ممكن من الإسلاميين، يُقترح اعتماد معيار واضح لا لبس فيه: الاعتراف المفصّل بمثالب نظام الإنقاذ والتبرؤ منها، وعلى رأسها (1) دمج الدين بالسياسة على نحو يفرض "دين البعض" بقوة الدولة على الجميع، (2) الخلط بين العمل السياسي المدني والعمل العسكري- الأمني داخل الجماعة الواحدة، (3) إذكاء النعرات القبلية والجهوية، و(4) إقامة علاقات عابرة للحدود لا تعبّر عن إجماع السودانيين.

إذا توافَقَ المعنيون على نقد هذه الاختلالات والتوبة السياسية عنها، والعودة إلى صفٍّ وطنيٍّ سواء يقوم على الدولة المدنية وسيادة القانون واحتكار السلاح، فإن الحوار يسع الجميع إلا من أبى.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...