سحابات الهموم
عبدالله برير

تحاول التركيبة اللحنية للأغنية، في بواكيرها، وبشق الأنفس، تذويب الشجن الكامن في ثنايا النص خلسة، بإلباسه قالب التحدي والتفاؤل. بيد أن الحزن والخوف يبرزان في الخفاء كلما حاولت الموسيقى استئناف رحلتها الزائفة، المشوبة بالهواجس، نحو هالات الفرح التراجيدية، ليضفي هذا المزيج على الأغنية رونقًا يجمع بين الاطمئنان والظنون في آنٍ واحد.

وسرعان ما تهدأ العواصف التحذيرية، بما يحاكي الوجوم المصبوغ بالأنين والشهيق بين الفينة والأخرى. زفراتٌ حرى تفسح المجال للصوت البشري ليدلي بدلوه في كنه المأساة الماثلة أمام سامعيه. ليطل صوت «الحوت» مأخوذًا بهدهدات اللحن المتراصة، المتأرجحة بين اليقين والشك، تعتريه نبرة شجن وهو ينطق: «من الظروف ما تشيلي هم» من المنطقة الصوتية الدنيا (القرار)، مدعيًا الثبات، إلا من شجن يزوره تارة في الحب وتارة في اللّا حب، داعيًا المحبوبة إلى الترجل من شرفة الهموم، والهبوط إلى غدٍ وارف تظله الأماني العذاب، في عتاب لطيف:  «بكرة الزمن ليك ببتسم».

ويتنازع الأداء بين الترقب والخوف من دياجير الزمن، إذ يقف عند حرف النون بغنة محببة ملؤها العتاب، كأنه يحذر الزمن من مغبة العبث بمن يحب. وقد استعار الشاعر ابتسامة الزمن، وجعلها شراعًا يرفرف ببيارق الأمل الموعود، باسطًا أحضانه للمحبوبة.

ويواصل الجان بث الطمأنينة، مذكرًا حبيبته بأنها «الطالة في صبح العشم». وقد أحسن الشاعر استخدام لفظة «الطالة» لتوصيل إحساس الليل البهيم الذي انهزم أمام إطلالة المحبوبة، صاحبة العشم. ثم يعود الحوت مرددًا سيمفونية الخلود البرزخية: »اتصبري... ما تشيلي هم«، ناطقًا بها بقوة شكيمة، ليكسو صوته عنفوانًا يدعو الحبيبة إلى التشبث بأهداب الأمل، مهما كانت الظروف.

وتستمر الملحمة اللحنية الثنائية الأبعاد، ويواصل الحوت بث الضمانات في عيني الحبيبة: ««ما تشيلي همك... في الدموع بحر الحزن ما ليهو قيف، في تحذير واضح من الاستسلام للأحزان والدموع، لأن تيار الأسى، إذا هب، لا محالة جارف للذكريات الطيبة، وربما يحيل الحاضر إلى ما يشبه الكارثة. ويطلب منها، عوضًا عن ذلك، أن تأتي، فالفرح والكل بانتظارها: ««راجنك الفرح الجميل« والجميع في حالة شوق انتظار عندك نقي، . إنه اختزال لزمن العالم كله، ليتوقف عند لحظة مجيء الحبيبة، قبل أن يمضي الجان وصحبه في استشراف المستقبل، ودخول كهوف العرافات وقارئات الحظ، بالطبع إن جاءت المحبوبة متحررة من الخوف والهم، هادمي اللذات.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...