د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
مقدمة:
في ذكرى كرري... لا تموت الأفكار وإن ماتت الجيوش
في مثل هذا اليوم، قبل ما يزيد على قرن من الزمان، دوى صوت المدافع في سهل كرري، معلنًا نهاية فصلٍ عاصفٍ من تاريخ السودان، ومفتتحًا فصلًا آخر لا يزال حاضرًا في الذاكرة الوطنية. كان صباح الثاني من سبتمبر 1898م، وقفت ساعة الزمن اندهاشًا برجال حفاة عُزّل، يواجهون أعتى آلة حرب استعمارية (وقتها)، لم يكونوا مدفوعين بحسابات النصر والهزيمة، بل بإيمانٍ عميق بأن ما يقاتلون من أجله يتجاوز أسوار الدولة وحدود السياسة.
لكن، هل كانت كرري مجرد هزيمة عسكرية ساحقة كما تقول بعض كتب التاريخ؟ أم أنها كانت –بالبرغم من الدم والموت- نصرًا من نوعٍ آخر، لا يُقاس بما كُسب أو فُقد، بل بما بقي حيًّا في الذاكرة والوجدان؟
كما غنى الخليل ومثلما غنت مهيرة، تلهب الأجيال جيلًا بعد جيل فمن حقنا أن نغني، لصمود العزم في كرري وللموت الفدائي النبيل.
بين مَنْ يرى في كرري مأساة حتمية نتيجة سوء التقدير السياسي والعسكري، ومَنْ يراها ملحمة فداء ومقاومة خالدة، يقف التاريخ مترددًا، تتجاذبه الروايات، ويُعيد طرح السؤال ذاته: هل يمكن للهزيمة أن تكون انتصارًا؟
في هذه الذكرى، أحاول إعادة قراءة (كَتْلَة/ كسرة أمدرمان) كما يسميها أهل أمدرمان من زاوية أعمق، لا تغفل الحقائق، ولا تتنكر للرمزية. ومن بين بارود قوة "المكسيم" ونفس روح العزيمة وعدم التسليم بالهزيمة، نبحث عن لحظة الحقيقة، لا تلك التي تعشعش في كتب التاريخ فقط، بل التي تسكن روح أمة لم تهزمها البنادق، وإن هُزِمت جيوشها.
قوة المدافع: تفوّق السلاح لا يعني عدالة النصر
في صباح الثاني من سبتمبر 1898م، اجتاحت المدافع البريطانية الحديثة سهول كرري شمال أمدرمان، وسحقت جيش الدولة المهدية في واحدة من أكثر المعارك دموية في تاريخ السودان، حين قاد اللورد كتشنر جيشًا مدججًا بالأسلحة المتطورة، في مقدمتها الرشاشات من طراز "ماكسيم"، ضد مقاتلين أغلبهم يحملون سيوفًا وبنادق بدائية. كانت النتيجة مجزرة عسكرية هائلة، سقط فيها ما لا يقل عن 10,000 من قوات المهدية، بينما لم تتجاوز خسائر الجيش الغازي بضع مئات.
من حيث المعايير التقليدية، بدت المعركة وكأنها نصر ساحق للإمبراطورية البريطانية، ولكن...
عدم التسليم بالهزيمة: حين تظل الروح تقاتل بعد سقوط الجسد
في أعقاب المجزرة، كتب المراسل الحربي الشاب ونستون تشرشل، الذي كان يرافق الجيش البريطاني، مقولة عميقة المعنى:
"لقد أبيد جيش الدراويش بالسلاح، لكن جنود الإمبراطورية لم يحققوا النصر".
هذه العبارة تلخص حقيقة أن النصر لا يُقاس فقط بسقوط الجثث أو كسب المعارك الميدانية، بل بالقدرة على إخضاع إرادة العدو وفرض الاستسلام النفسي عليه. وهو ما لم يتحقق في كرري.
الخليفة عبد الله ود تورشين لم يعترف بالهزيمة، وانسحب من الميدان، محاولًا إعادة تشكيل المقاومة في كردفان ودارفور. استمرت المقاومة عامًا آخر حتى معركة أم دبيكرات في 1899م، حيث سقط الخليفة شهيدًا في مواجهة غير متكافئة، ومعه انتهت الدولة المهدية فعليًا.
وقوف التاريخ شاهدًا:
المقولة التي تقلب معنى النصر
المقولة الاستراتيجية الشهيرة تقول: "إذا لم يسلم لك المهزوم بالهزيمة، فأنت لم تنتصر".
وفي ضوء هذا المفهوم، فإن معركة كرري لم تكن نصرًا كاملًا. بالرغم من التفوق الساحق في القوة، لم تستطع القوات الغازية كسر إرادة المقاومة مباشرة، بل اضطرّت لمطاردة بقاياها في معارك لاحقة.
وبذلك، فإن ما حدث في كرري كان أشبه بـ"نصرٍ تقني"، لكنه غير مكتمل سياسيًا ولا نفسيًا.
الخسارة كانت نصرًا:
حين تُهزم الدولة وتنتصر الفكرة
على الرغم من فداحة الهزيمة، وبالرغم من سقوط الدولة المهدية، إلا أن ما تبقّى من الروح الثورية، والرمزية التاريخية، والتضحية الشعبية، منح المعركة معنًى مختلفًا. فقد تحوّلت كرري إلى رمز وطني للمقاومة، ومنبع إلهام للحركات التحررية التي ظهرت لاحقًا في السودان ضد الاستعمار، بمعنى آخر، انهزمت الدولة ولكن انتصرت الفكرة. وسبقت كرري في معناها ما عبّر عنه الأديب الفرنسي ألبير كامو بقوله: "أحيانًا، تكون الهزيمة شرفًا لا تقدر عليه الانتصارات".
رأي نقدي: تفكيك الأسطورة أم تغييب للوجدان؟
من الملاحظ أن هناك عددًا من المؤرخين والمفكرين السودانيين المعاصرين، مثل الدكتور منصور خالد، والبروف فدوى عبد الرحمن علي طه، والبروف أحمد إبراهيم أبو شوك، يرون أن الاحتفاء العاطفي بمعركة كرري يجافي الواقع التاريخي، ويغطي على: "فشل القيادة السياسية والعسكرية". وسوء إدارة المعركة، وأن التغني بكرري قد يُؤدي إلى تشويه الوعي الوطني، بتقديم رمزية الشهادة على حساب التفكير السياسي العقلاني.
كرري بين تمجيد البطولة ونقد الذات
الرد على هذه المدرسة النقدية لا يجب أن يكون إنكارًا للواقع، بل فهمًا أعمق للرمزية، من خلال ثلاثة مستويات، وبعض الحقائق:
النصر لا يُقاس فقط بالغلبة المادية.
المدافع تنتصر في الميدان، لكن الكرامة لا تُقهر بالسلاح.
معركة كرري كانت فصلًا مؤلمًا، لكنه كاشفٌ لقيمة الفداء في مواجهة الاستعمار.
البطولة لا تعني تبرئة القيادة "يمكننا الاحتفاء بشجاعة المقاتلين دون تبرئة أخطاء القيادة.
الكارثة لا تبرر نسيان التضحية، ولا تمنع نقد العقلية السياسية التي قادت إليها.
الهوية تُبنى على رموز، لا على أرقام فقط، فالتاريخ ليس فقط حسابات عسكرية، بل سردية تصوغ وجدان الأمة.
ما بقي من كرري هو الشعور بأن شعبًا رفض الخضوع بسهولة، حتى لو خسر الدولة، وهنا نستدعي كلمات الفيلسوف هيغل:
"الشعوب التي لا تُكرم تضحياتها، تنقرض من التاريخ."
خاتمة:
كرري كحقيقة وشهادة وصراع سرديات
في كرري، لم يكن الفرق بين المنتصر والمهزوم هو عدد البنادق، بل من بقيت فكرته حيَّة بعد انتهاء القتال. وبينما انتصر السلاح، سقطت العدالة، وظلت الذاكرة تحتفظ باسم كرري كرمزٍ للتضحية، لا للكارثة فقط.
لقد كانت الخسارة في كرري نصرًا على طريقتها الخاصة: نصرًا في الرمزية، والكرامة، وإلهام الأجيال القادمة، وفي عالم لا تعترف فيه القوة إلا بالقوة، وقف الشعب السوداني في تلك اللحظة ليقول: قد تُهزم الدولة... لكن لا تُهزم الكرامة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...