محمد الأمين عبد النبي

 

إن استبعاد المؤتمر الوطني من العملية السياسية موقفٌ رفعته قوى الثورة، وعملت عليه باعتباره محددًا لشكل العملية السياسية؛ فقد التقت في ذلك الموقف القوى السودانية، ورفعته إلى الآلية الخماسية، كما أكدته خارطة الرباعية. ومن جانبه، انتقل الموقف الأميركي إلى إجراء قانوني بتصنيف الحركة الإسلامية وواجهاتها منظماتٍ إرهابية، وهو ما أعاد تعريف الحركة في السياسة الدولية، من فاعل سياسي إلى تنظيم يخضع لأدوات مكافحة الإرهاب والعقوبات. واتسق ذلك مع موقف الداخل السوداني، الذي يرى أن المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية لا يمثلان تيارًا سياسيًا طبيعيًا، وإنما بنية سياسية وأمنية ارتبطت بالاستبداد والحرب.

ونتيجة لهذه المواقف المتسقة والضغوط المكثفة، اضطرت سلطة القوات المسلحة إلى اتخاذ موقف باستبعاد المؤتمر الوطني، فأصبح هذا الموقف محل توافق وطني وإقليمي ودولي، ومعيارًا واضحًا يهدف إلى قطع الطريق أمام التنظيمات التي ارتبطت بالنظام البائد، بما يمنح الاستبعاد أساسًا سياسيًا وقانونيًا يحول دون أن يتحول الحوار إلى أداة لإعادة التدوير تحت عنوان الشمول. ويجعل معيار المشاركة قائمًا على تحديد من يتحمل المسؤولية السياسية أو الجنائية عن تخريب الحياة السياسية ومساءلته، لا مكافأته.

لقد أصبح سؤال استبعاد المؤتمر الوطني أمرًا محسومًا، ولم يعد هو العقدة التي ينبغي أن تستنزف النقاش حول العملية السياسية. كما أن رهان الحركة والتنظيم على إطالة أمد الحرب واستخدامها مدخلًا لاستعادة السلطة تحت فوهة البندقية قد انتهى إلى رهان خاسر؛ إذ ارتدت آثاره على أصحابه قبل أن يعاقبهم الشعب، وانطبق عليهم قوله تعالى: "وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ".

ومن ثم، فإن تفكيك البنى السياسية والأمنية التي أسست للحرب وأسهمت في استمرارها ليس انتقامًا ولا إقصاءً، وإنما هي شرطٌ لازم لمنع إنتاجها بأدوات جديدة، ولضمان ألا تتحول العملية إلى بوابة للثورة المضادة. فليس منطقيًا أن تُصمَّم عملية سياسية لإنهاء آثار الاستبداد والحرب، ثم تُمنح القوى التي تتحمل مسؤولية سياسية عنها فرصة استخدام العملية لترميم نفوذها وشرعيتها.

وبحسم هذه المعضلة، ينتقل النقاش إلى الأسئلة الأكثر أهمية التي ستحدد نجاح العملية السياسية: ما هي ترتيبات وقف إطلاق النار التي يجب أن تسبقها؟ وكيف تُصمَّم عملية سياسية ذات مصداقية؟ وما أجندتها وأولوياتها؟ وما معايير التمثيل والمشاركة؟ وما الجهة التي تشرف عليها وتضمن نزاهتها؟ وكيف تُحقق أهدافها في بناء دولة مدنية ديمقراطية، وإنهاء الإفلات من العقاب، والإصلاح الأمني والعسكري، ومعالجة جذور الحرب، وبناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لسلام مستدام وانتقال ديمقراطي؟

لاءات العملية السياسية التي يريدها السودانيون لا تكافئ حملة السلاح، ولا تمنح الجريمة حصانة، ولا تسمح بعودة النظام البائد، ولا تجعل المؤسسة العسكرية طرفًا أو حكمًا في العملية، ولا تسمح لأية جهة باحتكار تمثيل المجتمع أو الادعاء بأنها الممثل الوحيد لإرادته، ولا تمنح الخارج حق تصميم العملية السياسية نيابة عن السودانيين.

يريد السودانيون عملية سياسية تكون معايير المشاركة فيها متفقًا عليها، وتمثيلها معبرًا عن التنوع السوداني، وضماناتها الإقليمية والدولية داعمة لها لا وصية عليها.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة حسم مسألة "ما عدا المؤتمر الوطني"؛ فهي نقطة الانطلاق لتحديد شروط المشاركة، بحيث لا تكون المشاركة مكافأة السلاح او امتدادًا للأمر الواقع، وإنما حق مشروط بالالتزام بقواعد العملية السياسية وأهدافها.

إن أية عملية سياسية تفتقر إلى الأسس الموضوعية، ستظل عرضة لأن تتحول إلى بوابة لإعادة تدوير شبكات المؤتمر الوطني ومنطقه السياسي. لذلك، فإن نجاح العملية يتوقف على بناء آلية مستقلة وذات مصداقية تضع معايير المشاركة والتمثيل، وتمنع الالتفاف حولها، وتحميها من الاحتكار، بحيث تكون القواعد معلنة، والتمثيل حقيقيًا، والمساءلة قائمة، والغاية واضحة: إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية تتجاوز إرث الإنقاذ والحرب معًا.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...