محمد الأمين عبد النبي
لا تبدو أهمية الاجتماع المشترك بين المجموعة الرباعية والخماسية بشأن السودان في مجرد الدعوة إلى هدنة إنسانية أو وقف الأعمال العدائية، وإنما في بناء منصة دولية أكثر تنسيقاً للتعامل مع الحرب السودانية. فالاجتماع يعكس إدراكاً متزايداً بأن تعدد مسارات الوساطة وتباين أولوياتها أصبحا جزءاً من مشكلة إدارة الأزمة، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ربط المسار الإنساني بالمسارين الأمني والسياسي، ضمن مقاربة أكثر تكاملاً للضغط من أجل إنهاء الحرب.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الاجتماع تكمن إعادة ترتيب أدوات التعامل الدولي مع الأزمة السودانية، وربطها بمسار سياسي أكثر اتساقاً.
وضع الموقف الذي عبّر عنه الاجتماع ثلاثية واضحة للتحرك: هدنة إنسانية، ووقف للأعمال العدائية، وحوار سياسي بقيادة سودانية. وهذه الصيغة تحمل دلالة سياسية تضع إنهاء الحرب داخل مسار سياسي، وليس مجرد ترتيبات عسكرية مؤقتة بين طرفي القتال، خاصة بعد رفض صيغة الهدنة الأخيرة. وبذلك، تصبح الهدنة مدخلاً لعملية سياسية أشمل.
وتأتي هذه التطورات في سياق يبدو فيه الموقف الأميركي أكثر استعداداً لاستخدام أدوات ضغط فاعلة تجاه طرفي الحرب، ضمن مقاربة تسعى إلى التأثير في حسابات الفاعلين العسكريين والسياسيين، ودفعهم نحو مسار تفاوضي لا تحسمه موازين القوة العسكرية وحدها.
وتكتسب الإشارات المرتبطة بملف الأسلحة الكيميائية أهمية خاصة؛ لأن إدخال هذا الملف يرفع مستوى القضية من نزاع عسكري إلى ملف ذي أبعاد تتصل بالمسؤولية الدولية والمساءلة الجنائية. كما أن عدم منح الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يحمل رسالة سياسية تتعلق بحدود التعامل الأميركي مع قيادة الجيش، ويمكن قراءته ضمن سياق إعادة تعريف العلاقة مع الأطراف المتحكمة في مسار الحرب.
وبالتوازي، فإن إعلان استمرار التواصل الأميركي مع من يستجيب للورقة المطروحة يحمل إشارات متعددة، ويعكس مقاربة تقوم على الجمع بين أدوات الضغط والحوافز. وقد يؤدي هذا التحول إلى إعادة ترتيب حسابات طرفي الحرب، إذ لم يعد الرهان على التقدم العسكري كافياً لضمان موقع تفاوضي قوي.
وتأتي الإشارة المهمة من الاجتماع المشترك إلى أن المجتمع الدولي بات أكثر تقارباً حول أولوية أساسية: لا حل عسكرياً للأزمة السودانية. وإذا ترسخ هذا الاتجاه، فإن السؤال الدولي بشأن السودان يمكن أن ينتقل تدريجياً إلي كيف يمكن إنهاء الحرب وتهيئة عملية سياسية لا تكرّس نتائجها العسكرية؟
وهذا التحول يحمل أهمية كبيرة؛ لأن استمرار الحرب لا يعتمد فقط على قدرة طرفي القتال على مواصلة العمليات العسكرية، ولكنه يرتبط أيضاً بشبكات الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي التي تسمح بإعادة إنتاج الصراع. ومن هنا تكتسب عبارة «إنهاء الدعم العسكري الخارجي» الواردة في الاجتماع أهمية خاصة؛ لأنها تنقل النقاش من موازين القوة داخل السودان إلى البيئة الإقليمية والدولية التي تساعد على استمرار الحرب. فالمسألة لم تعد فقط في قدرة أحد الطرفين على تحقيق تقدم ميداني، وإنما في قدرة المجتمع الدولي على الحد من مصادر الدعم التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار.
وفي المقابل، تبدو القوى المدنية أمام اختبار أكثر تعقيداً. فالمجتمع الدولي قد يكون أكثر احتياجاً إلى شريك مدني سوداني، يستطيع تحويل الدعوة إلى الحوار إلى عملية سياسية حقيقية، لا إلى حوار تهيمن عليه إرادة أحد طرفي الحرب.
لكن ذلك يتطلب من القوى المدنية الانتقال من رد الفعل على المبادرات الدولية إلى إنتاج مشروع سوداني متماسك لمرحلة ما بعد الحرب. ولا يكفي الاتفاق على وقف إطلاق النار؛ إذ يجب أن يتضمن التصور المدني أسئلة أكثر تعقيداً: كيف تتم عملية الإصلاح الأمني والعسكري؟ كيف تعالج قضية العدالة الانتقالية؟ كيف يعاد بناء الدولة؟ وكيف تتم معالجة اقتصاد الحرب ومصالح القوى المستفيدة من استمرارها؟
ومن هنا يمكن أن تصبح المرحلة المقبلة ساحة تنافس سياسي بين مشروعين: مشروع يسعى إلى المحافظة على التوازنات التي فرضتها الحرب وتحويل نتائج القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية في مرحلة التسوية، ومشروع آخر يسعى إلى تأسيس عملية سياسية جديدة تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة دولة، وليست مجرد صراع بين مؤسستين عسكريتين.
والفارق بين المشروعين جوهري؛ لأن اختزال الأزمة السودانية في التنافس بين الجيش والدعم السريع قد يقود إلى تسوية تعيد إنتاج أسباب الحرب، بينما يتطلب إنهاء الصراع معالجة جذوره السياسية والمؤسسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويكشف الاجتماع المشترك عن اتجاه نحو تقليل التجزئة الدولية في التعامل مع السودان، وبناء مسار أكثر تكاملاً يربط بين الضغط الدبلوماسي والإنساني والأمني والسياسي.
فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الرباعية والخماسية على تحويل مواقفها إلى إجراءات عملية: وقف تدفق السلاح، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ومراقبة الالتزامات، وممارسة ضغط فعلي على الأطراف، وتهيئة عملية سياسية سودانية لا تُبنى على نتائج الحرب الميدانية.
وهنا تحديداً ستظهر جدية التحول في السياسة الدولية تجاه السودان: هل نحن أمام مجرد توافق جديد في الخطاب، أم أمام آلية دولية أكثر قدرة على التأثير في سلوك أطراف الحرب؟
وإذا استمر الاتجاه الأميركي نحو توحيد الأولويات الدولية، فإن الحسابات أمام قيادة الجيش لن تبقى كما كانت. فالضغط سيشمل المجال الدبلوماسي والسياسي، وربما ملفات أخرى ذات طبيعة قانونية وإنسانية. وفي المقابل، سيكون على قيادة الجيش أن تحدد كيفية التعامل مع مسار دولي يتجه بصورة متزايدة نحو إنهاء الحرب عبر عملية سياسية.
وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ما خيارات البرهان أمام الضغوط الأميركية، وفي ظل تقارب الرباعية والخماسية حول أولويات تبدو الإدارة الأميركية أكثر حضوراً في صياغتها؟
قد تكون أهمية اجتماع الرباعية والخماسية في أنه لا يقدم حلاً جاهزاً للحرب، لكنه يكشف عن محاولة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة الدولية حول السودان. فإذا انتقلت واشنطن وحلفاؤها من تعدد المبادرات إلى تنسيق أدوات الضغط، ومن إدارة الحرب إلى محاولة تغيير شروط استمرارها، فإن حسابات القوى السودانية والإقليمية ستتغير بالضرورة. وعندها لن يُقاس النفوذ بحجم القوة العسكرية على الأرض، وإنما بالقدرة على التأثير في شكل التسوية السياسية ومضمونها.




التعليقات (0)
جاري التحميل...