عامر علي الحاج

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يقف كثير من السودانيين اليوم مع القوات المسلحة. فمن عاش تجربة الحرب في الخرطوم أو الجزيرة أو سنار أو شمال كردفان أو دارفور، وشهد القتل والنهب والتهجير وانهيار مؤسسات الدولة، ثم رأى الجيش يستعيد مناطق واسعة وتعود معها الإدارة والخدمات، من الطبيعي أن يرى في ذلك خلاصًا من واقع كان بالغ القسوة.

هذا شعور إنساني مشروع، ولا ينبغي التقليل منه أو السخرية منه. فالمواطن الذي فقد بيته أو أُجبر على النزوح لا ينظر إلى الحرب بعين الباحث، وإنما بعين من يريد أن تتوقف المأساة وأن تعود الدولة إلى القيام بوظائفها الأساسية.

لكن، مع أهمية هذا الشعور، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية، بل ربما كان هو السؤال الذي سيتوقف عليه مستقبل السودان كله:

ما الدولة التي ستولد بعد هذه الحرب؟

فالقضية ليست فقط كيف تنتهي الحرب، وإنما ماذا يبقى بعدها؟

ذلك أن هزيمة قوات الدعم السريع، مهما كانت ضرورية لإنهاء وجود قوة مسلحة تنازع الدولة سلطتها، لا تكفي وحدها لبناء السلام. فقد تنتهي الحرب، لكن الأزمة التي أنجبتها تبقى كما هي، فتعود بعد سنوات، وربما في صورة مختلفة وباسم مختلف.

وهنا ينبغي أن نكون صرحاء مع أنفسنا.

فالدعم السريع لم يأت من خارج التاريخ السوداني، ولم تنشئه دولة أجنبية من العدم. نعم، لا يمكن إنكار حجم التدخلات الخارجية التي غذت الحرب، ولا الأموال والسلاح والمرتزقة الذين أسهموا في إطالة أمدها، لكن كل ذلك وجد بيئة سودانية مهيأة. فقد نشأت هذه القوة داخل الدولة، وتحت رعايتها، وبقرار من السلطة السياسية والعسكرية، ثم تضخمت حتى أصبحت تنازع الدولة نفسها.

ولهذا فإن التدخل الخارجي، مهما كان أثره، لا يعفينا من مواجهة السؤال الأصعب: لماذا أصبحت الدولة السودانية أصلًا قادرة على إنتاج قوة كهذه؟

إن اختزال الحرب في "مؤامرة خارجية" يريحنا من مراجعة أنفسنا، كما أن اختزالها في صراع داخلي يتجاهل حقائق التدخلات الإقليمية والدولية. والحقيقة أن الأمرين اجتمعا معًا؛ أزمة سودانية عميقة، استثمرت فيها قوى خارجية، فازدادت الحرب اتساعًا ودمارًا.

لكن هذا كله لا يجيب عن سؤال المستقبل.

واليوم يواجه السودانيون استقطابًا حادًا. فمن ينتقد قيادة الجيش أو خياراتها السياسية يُتهم فورًا بأنه منحاز إلى الدعم السريع، ومن يرفض الدعم السريع يُطلب منه أن يمنح الجيش تفويضًا سياسيًا مفتوحًا، وكأن البلاد لا تعرف إلا هذين الخيارين.

وهذا هو الفخ الذي ينبغي الخروج منه.

فرفض مشروع الدعم السريع لا يعني بالضرورة القبول بأي مشروع سياسي يتشكل في مواجهته.

والاعتراض على الدعم السريع لا يعني أن نتوقف عن مساءلة الطريقة التي ستُدار بها الدولة بعد الحرب.

بل إن هذه المساءلة تصبح أكثر ضرورة كلما اقتربت الحرب من نهايتها.

فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في بقاء الدعم السريع، وإنما في أن تنتهي الحرب بينما يبقى النموذج الذي أنتجه.

وإذا كان الدعم السريع قد خرج من رحم دولة اعتمدت على القوى الموازية، وعلى توزيع السلاح خارج المؤسسات، وعلى إدارة السياسة بتوازنات القوة أكثر من إدارتها بالقانون، فإن الانتصار الحقيقي لا يكون في هزيمته عسكريًا فقط، وإنما في هزيمة هذا النموذج كله.

ولهذا يبرز سؤال آخر ينبغي ألا نخاف من طرحه.

هل يتشكل اليوم، تحت مظلة الحرب، نموذج جديد لإدارة السودان يعتمد على توسيع التحالف بين المؤسسة العسكرية، والتشكيلات المسلحة الحليفة، والقيادات القبلية، والقوى السياسية التي تستمد نفوذها من السلاح أكثر مما تستمده من المجتمع؟

إن مجرد طرح هذا السؤال لا يعني المساواة بين الجيش والدعم السريع، ولا ينتقص من تضحيات الجنود الذين يقاتلون دفاعًا عن البلاد، كما لا ينكر الجرائم الواسعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.

لكنه يميز بين أمرين مختلفين: بين الجيش كمؤسسة وطنية لا غنى للدولة عنها، وبين المشروع السياسي الذي قد يتشكل تحت مظلة الحرب.

فهذان ليسا شيئًا واحدًا بالضرورة.

لقد علمتنا تجارب السودان أن التحالفات التي تُبنى لإدارة المعارك لا تصلح دائمًا لإدارة الدول. وما يكون ضرورة عسكرية في لحظة استثنائية قد يصبح، إذا تحول إلى قاعدة دائمة، سببًا لأزمة جديدة.

فإذا خرج السودان من هذه الحرب وهو يستبدل قوة موازية بأخرى، أو يوسع نفوذ التشكيلات المسلحة، أو يجعل الولاءات القبلية جزءًا دائمًا من بنية الحكم، أو يفتح المجال لعودة السياسة من بوابة السلاح، فإننا لن نكون قد تجاوزنا الأزمة، بل سنكون قد أعدنا إنتاجها بصورة مختلفة.

إن السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى منتصر يحتكر المجال السياسي، بقدر ما يحتاج إلى دولة تحتكر وحدها السلاح المشروع، وتفصل بين المؤسسة العسكرية والعمل الحزبي، وتمنع أية سلطة تنفيذية، اليوم أو غدًا، من إنشاء قوة موازية للجيش ثم التفاوض معها لاحقًا على مستقبل البلاد.

فالقضية في النهاية ليست من يهزم الدعم السريع.

القضية هي: ما الدولة التي تجعل ظهور "دعم سريع" جديد مستحيلًا، مهما كان اسمه، ومهما كانت الجهة التي تقف وراء إنشائه؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تبدأ به مرحلة ما بعد الحرب.

أما إذا اكتفينا بالاحتفال بالانتصار العسكري، دون مراجعة النموذج الذي قاد السودان إلى هذه الكارثة، فقد نكتشف بعد سنوات أننا لم نهزم إلا الاسم، بينما بقيت الفكرة التي أنتجته، تنتظر اسمًا جديدًا ووقتًا جديدًا لتعود من جديد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...