طاهر المعتصم
في السودان، يبدو أننا لا نتعلم من التجربة بقدر ما نتعلم كيف نعيد إنتاجها.
"لمتين؟" سؤال سوداني مختصر، لكنه يلخص مأزقًا أكبر: إلى متى نكرر الفعل نفسه وننتظر نتيجة مختلفة؟
قوات الدعم السريع هي المثال الأكثر كلفة. قوة أسسها نظام البشير، وأعاد تقديمها باعتبارها جزءًا من منظومة حماية الدولة، حتى بدا قادتها حاضرين في المشهد الرسمي والعسكري، وكان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قبل الحرب، يشهد مناسبات تخريج دفعات منها. ثم جاءت 15 أبريل 2023، لتكشف خطورة وجود قوة عسكرية ضخمة خارج المؤسسة العسكرية، وتحوّل الحليف السابق إلى طرف في حرب مدمرة.
كان الخلاف حول دمج الدعم السريع أحد أعقد ملفات الانتقال. وفي نقاشات الإصلاح الأمني والعسكري عام 2023، طُرحت مدد مختلفة للدمج، من بينها عشر سنوات طالب بها الدعم السريع. وبعد أقل من شهر اندلعت الحرب.
لكن يبدو أن الدرس لم يكتمل.
فجزء معتبر من التشكيلات شبه العسكرية الداعمة للجيش اليوم يجد مدخله في اتفاقية جوبا للسلام الموقعة في أكتوبر 2020، والتي تضمنت ترتيبات أمنية للدمج والتسريح وإعادة الترتيب. وبعد نحو ست سنوات، لم تكتمل هذه الترتيبات، بل نسمع مجددًا حديثًا عن الحاجة إلى عشر سنوات.
عشر سنوات مرة أخرى!
أين سمعنا هذا الرقم من قبل؟
الأمر لا يتعلق بالاعتراض على دور الحركات المسلحة في الحرب، ولا بإنكار تضحياتها، وإنما بالسؤال عن اليوم التالي. فقد شهدت وادي سيدنا أخيرًا تخريج الدفعة الحادية والثلاثين من الشرطة العسكرية التابعة للقوة المشتركة، بحضور قيادات من القوات المسلحة وتشكيلات عسكرية أخرى.
قد يكون التدريب ضروريًا في زمن الحرب، لكن هل نريد أن تنتهي الحرب وقد أصبح لدينا مزيد من القوى المسلحة التي تنتظر ترتيبات مستقبلية للدمج؟
في تقديري، المشكلة ليست في قوة بعينها، وإنما في فلسفة إدارة الدولة للسلاح. لقد جربنا صناعة قوة لحماية النظام، ثم وجدنا أنفسنا نحاربها. فلا ينبغي أن نخرج من هذه الحرب بإعادة إنتاج الأسباب نفسها.
السودان يحتاج إلى جيش وطني واحد، وترتيبات أمنية واضحة وملزمة، لا سنوات مفتوحة.
"لمتين؟" إلى متى نكرر الفعل نفسه، ثم ننتظر نتيجة مختلفة؟




التعليقات (0)
جاري التحميل...