طاهر المعتصم
الأسبوع الماضي هبطت بنا الطائرة مساءً في مطار رفيق الحريري ببيروت، في زيارة عمل. كانت النبطية تحت القصف، وأهلها في النزوح، فعادت إلى الذاكرة صور ملايين السودانيين الذين شردتهم حرب الخامس عشر من أبريل. تتغير الخرائط والأسماء، لكن الحروب تتشابه في قسوتها وقدرتها على اقتلاع الناس من بيوتهم وأحلامهم. ومع ذلك، كان لافتًا تراكم خبرة اللبنانيين في الحروب التي فُرضت عليهم، وقدرتهم المدهشة على العودة إلى الحياة وانتزاعها من براثن الموت؛ من المذابح والاعتداءات والاجتياحات، وصولًا إلى يوم الناس هذا، ولبنان يتعرض للعدوان الغاشم.
شعب بهذه القدرة على التعافي لا ينتظر انتهاء الحرب حتى يستعيد حياته بل ينتزعها من براثن الأزمات. وربما لهذا لفتني اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان، باعتباره واحدًا من التجارب اللافتة التي تجسد هذه القدرة الخلاقة على مقاومة الانهيار. فتجربة الاتحاد، ورئيسته "إلسي مفرّج"، لا تقف عند الدفاع عن الصحفيين، بل تقوم على عضوية متنوعة تضم الصحفيين والصحفيات، والمصورين، والتقنيين، والمستقلين، والمنسقين الميدانيين، والعاملين في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع والرقمي. إنها مساحة تتسع للاختلاف بدلًا من تحويله إلى انقسام.
لكن المفاجأة كانت في مكان آخر. أخبرتني زميلات في الاتحاد أنهن تابعن ودرسن تجربة نقابة الصحفيين السودانيين، وأنها كانت بالنسبة إليهن تجربة ملهمة. توقفت طويلًا عند هذه المفارقة. جئنا إلى بيروت بحثًا عن درس في الصمود والتعافي، فإذا بنا نكتشف أن تجربة سودانية وُلدت في قلب الحرب نفسها كانت موضع دراسة وإلهام لدى صحفيين لبنانيين. في لحظة كهذه، يصبح السودان، بالرغم من هذا الخراب، قادرًا على أن يمنح الآخرين شيئًا يستحق أن يُتعلم منه.
وهنا تتجاوز الحكاية حدود النقابات والصحافة. فالتعافي ليس أن تنتظر توقف المدافع لتبدأ الحياة، بل أن تواصل بناء المؤسسات، وتخلق مساحات للعمل المشترك، وتحول التنوع من سبب للخصومة إلى مصدر للقوة. وربما تقول تجربتا الاتحاد اللبناني ونقابة الصحفيين السودانيين، إن المؤسسات لا تولد دائمًا في زمن الاستقرار؛ فقد تولد في قلب العاصفة، حين يصبح الناس أكثر حاجة إلى صوت يجمعهم، ويحمي مهنتهم وحقوقهم، ويفتح نافذة للأمل.
خرجت من بيروت وأنا أفكر في السودان أكثر مما فكرت في لبنان. ذهبنا بحثًا عن درس في التعافي، فاكتشفنا أن لدينا، وسط الخراب، ما يمكن أن يتعلم منه الآخرون. وفي بيروت، تحت القصف، أدركت أن الحرب قد تهدم البيوت والمؤسسات، لكنها لا تستطيع وحدها هدم إرادة الحياة.
ونقابتنا الفتية جوهرة التداول الديمقراطي في السودان، التي وثقت مضابط مجلس الأمن الدولي في سبتمبر 2021، إنها ضوء في آخر النفق، وحازت على جائزة اليونسكو 2026 في الدفاع عن الحريات الصحفية، تواجه مصاعب حرب السودان والظروف القاهرة والانقسام الذي أنتجته الحرب، هي أمام تحدي أن تدير نقاشات موسعة مع عضويتها حول نظامها الأساسي ووسائل التبادل الديمقراطي بطرق استثنائية، تحفظ وحدة البلاد ووحدة النقابة ولا تصادر حق جمعيتها العمومية. التحية للبنان واتحاد الصحفيين والصحفيات الفتي، وللنقابات العربية في فلسطين ومصر وتونس وسوريا.




التعليقات (0)
جاري التحميل...