منى الرشيد نايل
كرامة من ؟ وضد من ؟
منذ اندلاع الحرب في السودان، أُطلق عليها اسم «حرب الكرامة». ومع تكرار المصطلح حتى أصبح جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي اليومي، يبدو أن علينا أن نتوقف قليلا لنسأل: أي كرامة نقصد؟ ولمن تستعاد؟ ومن يدفع ثمنها ؟
فالكرامة ليست شعارآ يرفع فوق البنادق، ولا خطابآ يلقى من منصات المؤتمرات، ولا انتصارا عسكريا يقاس بعدد المدن التي دخلتها القوات .
الكرامة أن يكون الإنسان آمنا في بيته، قادرا على إطعام أسرته، وإرسال أبنائه إلى المدرسة والجامعة، والحصول على العلاج، والعمل بأجر يحفظ له حياته، وأن يملك حق العودة إلى وطنه دون أن تكون العودة مغامرة بالموت .
لكن المشهد السوداني اليوم يقول شيئًا آخر
ملايين نزحوا من بيوتهم، وآخرون عبروا الحدود، ومدارس وجامعات تعطلت، وأسر فقدت مصادر دخلها، ومؤسسات دمرت أو نقلت نشاطها قسرا، ومواطنون يعيشون بين الخوف والفقر وانتظار المجهول .
ثم يُقال لنا: إنها حرب الكرامة
فنسأل مرة أخرى
كرامة من ؟
الأمر لا يتعلق بالحرب وحدها، بل بالطريقة التي بدأت بها الدولة، في زمن الحرب، بإعادة تعريف علاقة المواطن بالمؤسسة .
في التعليم العالي، صدر قرار بإغلاق المراكز والمواقع البديلة والمؤقتة خارج المقار الأصلية، والعودة إلى المقار الرسمية، مع تحديد الأول من أغسطس 2026 موعدًا نهائيًا للعودة وفرض عقوبات على المؤسسات غير الملتزمة .
قد يبدو القرار، من الناحية الإدارية، منطقيًا في دولة مستقرة تريد إعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية.
لكن السودان ليس دولة مستقرة .
والسؤال الذي يجب أن يسبق أي قرار إداري في زمن الحرب هو
هل يستطيع المواطن أن يعود ؟
وهل يستطيع الطالب أن يعود ؟
وهل يستطيع الأستاذ والموظف والعامل أن يعود ؟
وهل أُعدت البيئة الأمنية والاقتصادية والخدمية التي تجعل العودة ممكنة ؟
إن مطالبة الإنسان بالعودة دون توفير شروط العودة ليست عودة، وإنما إلزام وإجبار .
والدولة التي لا تستطيع أن توفر لمواطنها الأمان، ولا التعليم، ولا العمل، ولا الحد الأدنى من الحياة، لا يجوز أن تحول العودة إلى اختبار للولاء .
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر خطورة
هل تحولت بعض القرارات الإدارية في زمن الحرب إلى قرارات سياسية ؟
حين تُغلق المراكز الخارجية التي لجأ إليها الطلاب السودانيون بسبب الحرب، ماذا يحدث لهؤلاء الطلاب ؟
حين تُغلق البدائل التعليمية أمام الأسر التي لم تستطع العودة، من يتحمل مسؤولية مستقبل أبنائها ؟
وحين يُطلب من العاملين في مؤسسات الدولة العودة، دون النظر إلى ظروفهم الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، هل نحن أمام إدارة للموارد البشرية، أم أمام إدارة سياسية للناس ؟
لقد آن الأوان لأن نعيد التمييز بين الدولة والسلطة .
الدولة تحمي مواطنيها حتى في أصعب الظروف .
أما السلطة فتطلب من المواطن أحيانا أن يتحمل نتائج قراراتها .
والمفارقة أن هذا يحدث بالتزامن مع إعادة ترتيب المشهد الإعلامي في الخرطوم .
فقد شهدت الخرطوم أخيرا مؤتمرا للإعلام، وسط خطاب رسمي يربط الإعلام بالحرب و«معركة الكرامة»، بل وُصف الإعلاميون رسميا بأنهم أدوا أدوارا وطنية خلال الحرب .
وهنا، بوصفي واحدة ممن عملوا في مجال الإعلام المؤسسي، أجد أن السؤال مشروع
أي إعلام نريد بعد الحرب؟
هل نريد إعلاما يشرح للمواطن قرارات السلطة فقط ؟
أم إعلاما يسأل السلطة عن أثر قراراتها على المواطن ؟
هل وظيفة الإعلام أن يحتفي بالانتصار، أم أن يسأل أيضا عن ثمنه ؟
هل الإعلام الوطني هو الذي يردد خطاب الحرب، أم الذي يحرس حق المواطن في المعرفة والمساءلة ؟
إن الإعلام الذي يفقد قدرته على السؤال يتحول من سلطة رقابة إلى أداة تعبئة .
والتعليم الذي يفقد قدرته على حماية حق الطالب يتحول من مؤسسة لبناء المستقبل إلى أداة لتنظيم الحاضر وفق شروط السلطة .
وهنا تلتقي قضيتان تبدوان منفصلتين
الإعلام والتعليم
كلاهما يتعلق بالعقل السوداني
وكلاهما يجب ألا يتحول إلى أداة في معركة سياسية .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب ليس فقط أن تعود المباني والمؤسسات إلى مواقعها القديمة، وإنما أن تعود العقلية القديمة نفسها .
عقلية ترى أن استعادة الدولة تعني استعادة السيطرة .
وأن استعادة المؤسسات تعني إخضاع العاملين .
وأن استعادة الجامعات تعني إجبار الطلاب والأساتذة على العودة .
وأن الإعلام الوطني هو الإعلام الذي يقف خلف السلطة
وأن من يسأل عن الإنسان في زمن الحرب يمكن أن يتهم بأنه يقف ضد الدولة
وهذا هو الطريق الذي يجب أن نتجنبه
فالدولة لا تبنى بإجبار الناس على العودة، وإنما بجعل العودة ممكنة وآمنة وكريمة
والجامعة لا تستعيد عافيتها بإغلاق أبوابها أمام من شردتهم الحرب، وإنما بفتح أبوابها لهم أينما كانوا، إلى أن يصبح الرجوع ممكنًا .
والإعلام لا يستعيد دوره بتوحيد الخطاب، وإنما باستعادة استقلاله المهني وقدرته على مساءلة الجميع .
إن الحرب الحالية لم تقتل الناس وحدهم؛ لقد أرهقت مفهوم المواطنة نفسه .
فالإنسان الذي يُطلب منه أن يترك البلد عندما يكون آمنا، ويعود إليه عندما يصبح خطرا، ويعمل عندما تتوفر الوظيفة، ويتوقف عن العمل عندما تتوقف الدولة، ويرسل أبناءه إلى الجامعة عندما تتوفر الجامعة، ثم يُلام عندما يعجز عن العودة إليها؛ هذا الإنسان يحتاج إلى دولة تحميه، لا إلى خطاب يحمله مسؤولية عجز الدولة .
ولذلك فإن الحديث عن «الكرامة» يجب أن يبدأ من هنا
لا كرامة في الجوع.
لا كرامة في النزوح.
لا كرامة في انقطاع التعليم.
لا كرامة في فقدان العمل.
لا كرامة في الخوف.
ولا كرامة في إجبار الإنسان على العودة إلى الخطر .
الكرامة أن يستطيع السوداني أن يقول: لا أستطيع العودة الآن، دون أن يفقد حقه في وطنه.
والكرامة أن يستطيع الطالب أن يقول: لا أستطيع الحضور، دون أن يُغلق في وجهه باب التعليم.
والكرامة أن يستطيع الموظف أن يقول: ظروفي لا تسمح، دون أن يتحول ذلك إلى عقوبة.
والكرامة أن يستطيع الصحفي أن يسأل: لماذا؟
لقد قال السودانيون كلمتهم في ديسمبر: الحرية والسلام والعدالة.
وهذه الكلمات لم تفقد معناها لأن الحرب اندلعت.
بل ربما أصبحت أكثر إلحاحًا .
فالسلام ليس فقط توقف الرصاص.
والحرية ليست فقط حرية الحركة .
والعدالة ليست فقط محاسبة طرف واحد .
و«الكرامة» ليست انتصار طرف على طرف .
الكرامة الحقيقية هي أن يصبح السودان وطنا يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه دون خوف، وأن يختلفوا فيه دون أن يُقصوا، وأن يتعلموا فيه دون أن تُغلق في وجوههم أبواب التعليم، وأن يعملوا فيه دون أن يتحول العمل إلى أداة للعقاب السياسي .
إن السودان لا يحتاج إلى استعادة الماضي، وإنما إلى بناء مستقبل مختلف .
ولا يحتاج إلى إعادة إنتاج الدولة التي صنعت أزماته، وإنما إلى دولة تحمي الإنسان من الحرب، ومن الفقر، ومن الاستبداد، ومن عسكرة الحياة العامة .
لذلك، قبل أن نسأل: من انتصر في حرب الكرامة؟
علينا أن نسأل:
هل بقيت كرامة للإنسان السوداني؟
فإذا كان المواطن هو من دفع الثمن، والطالب هو من فقد جامعته، والعامل هو من فقد راتبه، والأسرة هي من فقدت بيتها، والطفل هو من فقد مدرسته، والصحفي هو من فقد حريته في السؤال...
فإن السؤال سيظل قائمآ
كرامة من؟ وضد من؟
أما الكرامة التي نريدها نحن، فلا تُستعاد بالحرب .
الكرامة في السلام في الحرية في دولة القانون.
الكرامة في التعليم في العمل في أن يكون الإنسان السوداني مواطنا، لا وقودآ للحرب .
لا كرامة في الحرب.




التعليقات (0)
جاري التحميل...