لماذا يعد تحقيق السلام أصعب من إنهاء الحروب
د. إبراهيم البدوي عبد الساتر
على مدى أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثًا أكاديميًا تناولت قضايا الحرب والسلام، وأسبابهما، وآثارهما الاقتصادية والسياسية، نُشر معظمها في مجلات علمية محكَّمة أو كفصول في كتب أكاديمية محكَّمة. وانطلاقًا من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً، صغتها بأسلوب أرجو أن يكون ميسورًا للقارئ العام، دون الإخلال بما تستند إليه من معرفة علمية وشواهد تجريبية. وستُنشر هذه المقالات، بإذن الله، تباعًا خلال الأسابيع القليلة المقبلة في عدد من وسائط الإعلام السودانية، مساهمةً متواضعةً في إثراء الحوار الوطني القائم على المعرفة والأدلة، والمستفيد من تجارب الأمم الأخرى ومن التاريخ السوداني نفسه، في معالجة هذه القضايا المصيرية. وتدور هذه المقالات حول أربعة أسئلة رئيسة:
- ما أسباب الحروب الأهلية، وما أبرز آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟
- كيف تنتهي الحروب الأهلية، وكيف يبدأ بناء السلام؟
- كيف تؤدي الحروب الأهلية إلى تدمير الاقتصادات وإضعاف مؤسسات الدولة وتدهور الحوكمة؟
- وما المتطلبات الأساسية لتحقيق إعادة إعمار اقتصادية وسياسية ناجحة ومستدامة بعد انتهاء النزاعات؟
وفي ختام كلِّ مجموعة من هذه المقالات، سأحاول استخلاص أهم الدروس المستفادة بالنسبة للسودان، وربطها بواقع الحرب الراهنة، أملًا في أن تسهم في إثراء النقاش العام حول سبل إنهاء الحرب وبناء سلامٍ عادلٍ ودائم، ووضع البلاد على مسار التعافي والتنمية المستدامة.
إبراهيم البدوي عبد الساتر
___________________________________________________________
قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، في مقالتي المراجِعة (review article) الموسومة: "الانتقالات في مرحلة ما بعد الحروب الأهلية: نظرة عامة" (نورد المرجع الكامل للورقة في نهاية هذا المقال)، أوضحتُ أن التحدي الأكبر الذي يواجه البلدان الخارجة من الحروب الأهلية ليس فقط إنهاء القتال، بل أيضًا بناء سلام دائم. وبعد مراجعة الأدلة المستمدة من مجموعة واسعة من تجارب ما بعد النزاعات والحروب الأهلية، خلصتُ إلى أنه في حين تشهد العديد من البلدان انتعاشًا اقتصاديًا سريعًا بشكل مدهش خلال السنوات القليلة الأولى بعد الحرب، فإن الحفاظ على السلام والنمو على المدى الطويل يعتمد على تحولات سياسية ومؤسسية أعمق بكثير. ولم تؤدِ الأحداث الأخيرة -من السودان إلى سوريا وما وراءها- إلا إلى تعزيز أهمية هذه الدروس في الوقت الحاضر.
تكشف التجارب المقارنة أن السنوات الأولى بعد انتهاء الحروب الأهلية غالبًا ما تشهد معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، نتيجة لانطلاق الاقتصادات من قاعدة إنتاجية منخفضة واستئناف تشغيل الطاقات والأصول المعطلة، فيما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ"نمو اللحاق". ومع تحسن الأوضاع الأمنية، يعود النازحون إلى أعمالهم، وتُفتح الأسواق، وتُستأنف الأنشطة الزراعية والصناعية، فتسجل الاقتصادات معدلات نمو سنوية تتراوح عادةً بين 5 و8 في المائة خلال السنوات الخمس إلى العشر الأولى، وقد تتجاوز 10 في المائة في بعض الحالات الاستثنائية. وفي الوقت نفسه، تُستأنف الخدمات الأساسية، فيُعاد فتح المدارس والمرافق الصحية، وتؤدي المساعدات الإنسانية والدعم الدولي دورًا مهمًا في تخفيف المعاناة وتمويل إعادة تأهيل البنية التحتية ودعم الاستقرار الاقتصادي الكلي، بما في ذلك كبح التضخم، وتعزيز الثقة في العملة الوطنية، وتهيئة البيئة اللازمة لاستدامة التعافي.
غير أن هذا الانتعاش المبكر لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن إعادة الإعمار المستدامة تعتمد، قبل كل شيء، على قدرة الدولة على تعبئة مواردها الوطنية وإعادة بناء جهاز الإيرادات العامة. فالمساعدات الخارجية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن الموارد المحلية، بل ينبغي أن تُستخدم لتكميلها. كما أن سوء إدارة التدفقات المالية الخارجية أو الاعتماد عليها لفترات طويلة قد يؤدي إلى اختلالات اقتصادية، مثل ارتفاع سعر الصرف الحقيقي، بما يضعف القدرة التنافسية للصادرات في مرحلة تحتاج فيها البلدان إلى تنويع اقتصاداتها وخلق فرص عمل من خلال إنتاج قادر على المنافسة دوليًا. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حشد المساعدات فحسب، بل في توظيفها، إلى جانب الموارد الوطنية، بما يعزز النمو المستدام والقدرة التنافسية بدلًا من تقويضهما.
ومع ذلك، فإن النجاح الاقتصادي الأولي قد يكون مضللًا إذا لم يصاحبه تحول سياسي ومؤسسي أعمق. فإعادة بناء الطرق والجسور قد تستغرق أشهرًا، أما إعادة بناء مؤسسات الدولة وشرعيتها واستعادة الثقة بين المواطنين والدولة، فقد تحتاج إلى سنوات طويلة. ولذلك تشير الدراسات المقارنة إلى أن الاقتصادات الخارجة من الحروب تستغرق، في المتوسط، نحو عقدين لاستعادة مستوى الدخل الذي كان يمكن أن تحققه لولا الحرب، بالرغم من النمو السريع في السنوات الأولى. كما أن ما يقارب 40 في المائة من البلدان تعود إلى الحروب والنزاعات خلال السنوات الخمس الأولى إذا أخفقت في ترسيخ تسوية سياسية شاملة وإصلاح مؤسساتها يمكن معها تحقيق معدلات نمو عالية، وهو ما يفسر هشاشة التعافي في كثير من تجارب ما بعد الحروب الأهلية.
ومن هنا، فإن السلام المستدام لا يقوم على وقف القتال وحده، بل على بناء دولة تتمتع بالشرعية والمصداقية وقادرة على توفير السلع العامة الأساسية -من أمن وعدالة وتعليم ورعاية صحية وفرص اقتصادية- بصورة عادلة لجميع المواطنين. وعندما تعجز الدولة عن أداء هذه الوظائف، تتآكل الثقة العامة، ويتسع نطاق الفساد، وتزداد احتمالات تجدد الحروب. وفي مثل هذه الظروف، كثيرًا ما تلجأ النخب الحاكمة إلى بناء شبكات زبائنية أو كلبتوقراطية تقوم على مكافأة الموالين وإقصاء بقية المجتمع، كما جسّد نظام الإنقاذ من خلال سياسة "التمكين" المرتبطة بما اصطلح أليكس دي وال على تسميته (Political Marketplace) "سوق السياسى". وقد تضمن هذه السياسات بقاء النظام لبعض الوقت، لكنها تقوض التماسك الوطني وتبدد فرص بناء سلام دائم، كما برهنت تجربة ما بعد اتفاقية السلام الشامل في السودان.
ولهذه الدروس أهمية خاصة بالنسبة للسودان اليوم:
ففي الوقت الذي تمر فيه البلاد بواحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، ينبغي أن يبدأ التفكير منذ الآن في اليوم التالي لانتهاء الحرب. ومن الطبيعي أن ينصب جانب كبير من الاهتمام على إعادة بناء البنية التحتية المدمرة وتعبئة الموارد اللازمة لإعادة الإعمار، غير أن التجارب الدولية تؤكد أن النجاح لا يتوقف على حجم الأموال التي تُنفق، بل على القدرة على إعادة بناء الدولة نفسها. فالتعافي المستدام يقتضي مؤسسات عامة تتمتع بالكفاءة والمساءلة، وسيادةً للقانون، وتسويةً سياسيةً شاملة تستند إلى شرعية مجتمعية واسعة وتعيد الثقة بين الدولة والمواطنين.
وفي هذا السياق، أثبتت التجارب المقارنة أن عمليات الأمم المتحدة متعددة الأبعاد لحفظ السلام، تستطيع أن تؤدي دورًا بالغ الأهمية خلال السنوات الأولى التي تعقب الحروب الأهلية، متى ما اقترنت بتوافق وطني ودعمت إصلاح قطاع الأمن، وبناء المؤسسات، ومساندة الحكم المدني، وتهيئة البيئة اللازمة لانطلاق عملية التعافي الاقتصادي والسياسي. فهذه العمليات لا تصنع السلام بحدِّ ذاتها، لكنها توفر المساحة الآمنة التي يستطيع المجتمع من خلالها إعادة بناء دولته واقتصاده.
ولذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح إعادة الإعمار لا يتمثل في عدد الطرق أو الجسور التي أُعيد بناؤها، ولا في حجم المساعدات التي تم الحصول عليها، بل في قدرة الدولة على استعادة شرعيتها، وتقديم الخدمات العامة بعدالة وكفاءة، وتهيئة فرص اقتصادية متكافئة، وضمان التنافس السياسي السلمي في إطار سيادة القانون. فإيقاف الحرب قد يكون إنجازًا عسكريًا أو دبلوماسيًا، أما بناء السلام فهو، في جوهره، مشروع سياسي ومؤسسي وتنموي طويل الأمد.
وبالنسبة للسودان، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من اتفاق بين الأطراف المتحاربة. فهو يستلزم بناء كتلة وطنية حرجة تضم القوى السياسية والمدنية والمجتمعية المؤمنة بالديمقراطية والسلام، تتوافق على ميثاق وطني يؤسس لعقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة السودانية، ويحدد أسس نظام الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وقواعد تقاسم السلطة والثروة، ويكرس سيادة القانون والمواطنة المتساوية. وينبغي أن يشكل هذا الميثاق المرجعية السياسية لحكومة وحدة وطنية انتقالية تتبنى برنامجًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة، يجمع بين تعبئة الموارد الوطنية، واستقطاب الاستثمارات ورؤوس أموال السودانيين في المهجر، واستعادة الاستقرار الاقتصادي، وإطلاق مسار تنموي شامل يوفر فرص العمل ويعيد بناء الشرعية السياسية القائمة على عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع. كما ينبغي أن يشمل إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية والعدلية وفق المعايير الدولية، بما يضمن احترافيتها وخضوعها الكامل للسلطة المدنية الديمقراطية واحترامها لحقوق الإنسان وسيادة القانون. ولتعزيز فرص نجاح هذا المشروع، فإن السودان سيكون في حاجة إلى عملية أممية متعددة الأبعاد، تعمل بتفويض من مجلس الأمن وبموافقة السودانيين، لدعم تنفيذ اتفاق السلام، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتهيئة البيئة المناسبة لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
وهذا هو جوهر الرسالة التي خلصت إليها في مقالتي المرجعية قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، والتي تؤكدها اليوم الأدلة المتراكمة والتجارب المقارنة أكثر من أي وقت مضى. وإذا كان لهذه التجارب من درسٍ ينبغي أن يستحضره السودانيون وهم يستعدون لليوم التالي لحرب الخامس عشر من أبريل، فهو أن السلام الحقيقي لا يبدأ بإسكات البنادق، بل يبدأ حين يتوافق السودانيون على مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة على أسس الشرعية وسيادة القانون والتنمية الشاملة، لتصبح إعادة الإعمار وسيلة لترسيخ السلام، ويصبح السلام بدوره شرطًا لازمًا للتنمية المستدامة، لا مجرد هدنة مؤقتة بين المتحاربين.
المرجع:
Elbadawi, Ibrahim Ahmed. 2008. “Postconflict Transitions: An Overview”, The World Bank Economic Review, 22(1): 1-7.




التعليقات (0)
جاري التحميل...