محمد الأمين عبد النبي

 

ليست كل الهزائم نهاية؛ فثمة معارك تنتصر فيها القوة العسكرية، وتعجز عن هزيمة المعاني. وكرري واحدة من تلك المعارك التي لا ينبغي أن تُقرأ كهزيمة عسكرية وقعت في الثاني من سبتمبر عام 1898م، وإنما بوصفها فصلًا أساسيًا في تاريخ تشكّل الوعي السوداني، ولحظة واجه فيها شعبٌ أكبر الإمبراطوريات، فأثبت للعالم أن الفارق في العتاد لا يعني بالضرورة فارقًا في الإرادة أو الشجاعة.

صحيح أن الآلة انتصرت في كرري، لكن التاريخ لم يمنح المنتصر وحده حق رواية القصة. فمن المفارقات أن أبلغ ما كُتب عن بسالة السودانيين جاء على ألسنة أعدائهم. فقد وقف مؤرخون بريطانيون وأوروبيون أمام مشهد جيش المهدية وهو يتقدم تحت راياته في مواجهة مدافع المكسيم، فسجلوا، بالرغم من انتمائهم إلى معسكر الغزاة، ما رأوه من تنظيم وشجاعة واستبسال. ولم يجد ونستون تشرشل الذي شارك في الحملة، ما يصف به المقاتلين الذين واجهوا الموت إلا أنهم من أشجع الرجال الذين ساروا على وجه الأرض، وأن القوة البريطانية لم تهزمهم بقدر ما حطمتهم قوة الآلة. وقال المؤرخ الأمريكي جي. إي. روجرز: "ستظل المهدية أعظم مثال للبطولة والتفاني يمكن أن يوفره لنا التاريخ الإنساني".

وهنا تبدأ القراءة الحقيقية. فلم تكن المهدية، كما حاولت الرواية الاستعمارية أن تصورها مجرد حالة من الفوضى سبقت عودة النظام الاستعماري، ولم تكن أيضًا تجربة معصومة من الخطأ؛ لكنها كانت من أعظم حركات المقاومة والتحرر في القرن التاسع عشر، وجعلت قضية السودان حاضرة في الصحافة والبرلمانات والدوائر السياسية في العالم.

وبهذا المعنى، كانت المهدية رسالة كبرى بعث بها السودان إلى العالم. فمن خلالها برزت الشخصية السودانية، بما حملته من صبر وشجاعة واستعداد للتضحية، وأصبحت موضع اهتمام وإعجاب، حتى لدى الخصوم.

غير أن المأساة لا تكمن فقط في الرواية التي كتبها المستعمر بعد انتصاره، وإنما في أننا، في مراحل لاحقة، شاركنا في تبخيس تاريخنا بتحويل المهدية إلى مادة للصراع السياسي، وبدلًا من قراءتها في سياقها التاريخي، جرى استخدامها لتصفية حسابات الحاضر. فاختار البعض تشويهها وإنكار عظمتها، مع أن الاعتراف ببعض إفرازات التجربة في ذلك الوقت لا يمنح الحق في محو دورها في تشكيل الوعي القومي السوداني.

لقد جمعت المهدية أبناء مناطق السودان المختلفة تحت راية مشروع تجاوز الانتماءات الأولية، وأسهمت في ترسيخ فكرة الوطن الواحد والمصير المشترك، وخلقت واحدة من أعمق لحظات الشعور بأن للسودان ذاتًا سياسية تستحق الدفاع عنها. ولذلك، فإن فهم المهدية هو فهم جانب مركزي من تكوين الشخصية الوطنية السودانية.

وفي ذكرى كرري، نحن بحاجة إلى إنصاف التاريخ؛ إلى أن نقرأ المهدية كما كانت: تجربة بشرية ذات مرجعية ورؤية ورسالة، وحّدت الوجدان السوداني، وحملت روح المقاومة ورفض الاحتلال، وأثبتت أن شعبًا فقيرًا في الإمكانات يمكن أن يكون غنيًا بالإرادة.

لقد سقطت الدولة في كرري، وعاد الاستعمار، وانتصر السلاح الحديث. لكن الذين سقطوا في ذلك الصباح لم يخرجوا من التاريخ. بقيت راياتهم في الذاكرة، وبقيت شهادات خصومهم، وبقيت الفكرة الملهمة واحدة من أهم اللحظات التي قال فيها السودان للعالم كلمته، وعبّرت عن روح أهله الثورية. ولذلك حرصت تيارات فكرية وسياسية عديدة على الانتساب إلى إرثها والأخذ من معينها، وما زالت المهدية من أكثر التجارب السودانية قابلية للدراسة والفهم في سياقها التاريخي.

قال الإمام الصادق المهدي، عليه الرضوان: "نحن إذ نحتفل بذكرى كرري لا نحتفل بالهزيمة، ولكن نحتفل بهزيمة الهزيمة".

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...