الواثق البرير
تمر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان بمرحلة دقيقة، تتزايد فيها التحركات الإقليمية والدولية بحثًا عن مخرج من الكارثة التي أنهكت البلاد وهددت وحدتها ومستقبلها. وفي هذا السياق، أثار قرار عدد من القوى السياسية والمدنية، ومن بينها حزب الأمة القومي وقوى إعلان المبادئ السوداني، عدم المشاركة في مشاورات الآلية الخماسية تساؤلات حول أسباب المقاطعة، وما إذا كانت تعكس تراجعًا عن دعم الحل السياسي.
غير أن المواقف المعلنة لهذه القوى توضح أن المقاطعة لم تكن رفضًا للحوار أو تراجعًا عن دعم جهود السلام، بقدر ما كانت تعبيرًا عن تحفظات جوهرية على تصميم العملية السياسية وآليات إدارتها، ومحاولة لتصحيح مسارها قبل أن تتكرس اختلالات قد تقوض فرص نجاحها لاحقًا. فالقضية لا تتعلق بالحاجة إلى عملية سياسية من حيث المبدأ، وإنما بطبيعة هذه العملية وغاياتها؛ إذ ينبغي أن تقود إلى إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام معالجة أسبابها الجذرية، لا أن تقتصر على إدارة الأزمة أو التكيف مع الواقع الذي أفرزته الحرب.
من أبرز التحفظات المطروحة اتساع دور الفاعلين الخارجيين في تحديد شكل العملية ومساراتها والمشاركين فيها، في مقابل تراجع الملكية السودانية التي يفترض أن تشكل أساس أي عملية قابلة للحياة والاستمرار. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الدور الإقليمي والدولي في إنهاء الحرب وتيسير العملية السياسية ودعم الاستجابة الإنسانية وتوفير الضمانات، لكن هناك فارقًا أساسيًا بين تيسير عملية يملكها السودانيون وبين تصميمها نيابة عنهم. فالسودانيون يجب أن يكونوا أصحاب القرار في تحديد أطراف العملية وقضاياها ومعايير المشاركة وآلياتها ومكانها وزمانها، بينما يظل دور الشركاء الإقليميين والدوليين هو التيسير والدعم والضمان. ومن هنا جاءت المطالبة بلجنة تحضيرية سودانية متوافق عليها تتولى وضع أسس العملية وتصميمها.
ويتصل بذلك التحفظ على معايير المشاركة. فلا يمكن بناء سلام مستدام من خلال عملية مغلقة، لكن الشمول لا يعني أيضًا فتح المجال بلا ضوابط أمام كيانات وواجهات تفتقر إلى الاستقلالية أو التمثيل الحقيقي. المطلوب هو شمول مسؤول يضمن مشاركة القوى السياسية والمدنية والاجتماعية ذات التمثيل والمصلحة الحقيقية في إنهاء الحرب، وتمثيل النساء والشباب والأقاليم والنازحين واللاجئين والفئات الأكثر تأثرًا بها، مع وضع معايير واضحة تحول دون تحويل العملية إلى ساحة لإعادة إنتاج الاستقطاب أو تغيير توازناتها عبر واجهات مرتبطة بأطراف النزاع.
وفي هذا الإطار يأتي أيضًا الاعتراض على إشراك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما، ليس فقط بالنظر إلى مسؤوليتهما السياسية والتاريخية عن تقويض النظام الدستوري وإضعاف مؤسسات الدولة، وإنما كذلك لأن المؤتمر الوطني جرى حله وحظر نشاطه في إطار الترتيبات الدستورية والقانونية التي أعقبت ثورة ديسمبر، فضلًا عن استمرار مواقف الحركة الإسلامية وواجهاتها الداعمة للحرب، وتغليب منطق القوة والعنف على الحلول السياسية السلمية، وعدم إبداء التزام واضح بالعمل السياسي المدني الديمقراطي ونبذ العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها. ومن ثم، فإن إعادة إدماج هذه القوى في العملية السياسية، دون مراجعة واضحة لمواقفها والتزامها الصريح بالعمل المدني الديمقراطي ونبذ الحرب والعنف، تثير تساؤلات جوهرية حول اتساق العملية مع أهدافها ومعايير المشاركة فيها.
ويضاف إلى هذه التحفظات عدم إجراء مراجعة جادة للجولة السابقة من المشاورات. فقد سبق للقوى المدنية أن قدمت ملاحظات جوهرية بشأن مشاورات يونيو 2026، ودعت إلى تقييم التجربة ومراجعة ما صاحبها من اختلالات، والتوافق على معالجتها قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة. غير أن إطلاق جولة جديدة دون إجراء هذه المراجعة أو الاستجابة بصورة كافية للملاحظات المطروحة أبقى القضايا محل الخلاف دون معالجة، وأضعف فرص بناء الثقة والتوافق حول أسس العملية وقواعد إدارتها. فنجاح أي عملية سياسية لا يُقاس بتعدد الاجتماعات وتسارع مراحلها، وإنما بقدرتها على معالجة الاختلالات، وبناء الثقة، وتأسيس مسار يتمتع بالمصداقية والملكية الوطنية وقابلية التنفيذ.
غير أن هذه التحفظات تتجاوز الخلاف حول اجتماع أو قائمة مشاركين أو آليات إدارة المشاورات، لتطرح قضية جوهرية تتعلق بطبيعة السلام الذي نريده للسودان. فثمة خشية من أن تتجه بعض المقاربات الدولية والإقليمية، تحت ضغط الكارثة الإنسانية والتداعيات الأمنية للحرب، إلى إعطاء الأولوية لتسوية جزئية تفضي إلى وقف القتال دون إنهاء الحرب بصورة شاملة، مع تأجيل قضايا الانتقال المدني الديمقراطي وإصلاح مؤسسات الدولة ومعالجة جذور الأزمة.
ولا خلاف على أن إنهاء الحرب يمثل الأولوية الوطنية الأكثر إلحاحًا، لكنه ينبغي أن يكون مدخلًا إلى سلام شامل ومستدام، لا غاية منفصلة عنه. فالحرب الراهنة ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة، وإنما هي أحد أكثر تجليات أزمة الدولة السودانية حدةً؛ وهي أزمة تراكمت عبر عقود، وتتصل بنظام الحكم، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، وإدارة التنوع، وبناء المؤسسات، والعلاقة بين المدني والعسكري، وتوزيع السلطة والثروة، وغياب التوافق حول أسس الدولة.
وقد عرف السودان اتفاقات أنهت جولات من القتال، لكنها لم تنجح في كسر دورة الحروب المتكررة. ولذلك فإن السلام الذي يحتاجه السودان يجب أن يقوم على مسار مترابط يبدأ بإنهاء الحرب وبناء السلام، ويمتد إلى تسوية سياسية وطنية تعالج جذور الأزمة، وإصلاح مؤسسات الدولة وإعادة بنائها، وصولًا إلى انتقال مدني ديمقراطي ودولة دستورية مستقرة.
ومن هنا تبرز خطورة أن تنتهي الجهود الدولية والإقليمية إلى تسوية تكرس الأمر الواقع الذي أفرزته الحرب، سواء عبر القبول بانقسام البلاد، أو تحويل موازين القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي دائم، أو إنتاج استقرار هش يقوم على موازين السلاح بدلًا من مؤسسات الدولة. فمثل هذه التسوية قد توقف القتال مؤقتًا، لكنها ستترك أسباب الأزمة قائمة وتحمل في داخلها بذور صراع جديد.
ومن هذا المنطلق، فإن موقفنا من الآلية الخماسية لا يقوم على رفضها أو التقليل من أهمية المؤسسات التي تضمها، وإنما على ضرورة مراجعة المسار بما يعزز فرص نجاحه. فالآلية يمكن أن تؤدي أدوارًا مهمة في جهود إنهاء الحرب وبناء السلام ودعم الانتقال، وهو ما يتطلب تنسيقًا أوثق بينها وبين الآلية الرباعية ضمن مظلة متكاملة، مع توزيع واضح للأدوار وتجنب تعدد المسارات وتنافسها.
والمطلوب هو أن يستند هذا المسار إلى الملكية الوطنية والتشخيص الصحيح لطبيعة الأزمة السودانية، وأن يربط إنهاء الحرب بمسار سياسي يقود إلى معالجة جذورها وإعادة بناء الدولة والانتقال المدني الديمقراطي. وعلى هذا الأساس، يظل الباب مفتوحًا للتواصل مع الآلية الخماسية بهدف معالجة مواطن الخلل وإعادة بناء الثقة وتمكينها من الإسهام بصورة أكثر فاعلية في عملية سياسية سودانية الملكية والقيادة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...