بقلم: بروفيسور إبراهيم البدوي، ودكتور عصام الدين عباس
إعداد: إيهاب حسن الكاشف
تحية إجلال وتقدير للعالميْن الجليليْن لمساهماتهما القيمة في مشروع بناء الدولة السودانية، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والحقوق والحريات والديمقراطية.
وتأتي القراءة لهذا المقال الفائق الأهمية لقناعتي بأهمية ما ورد فيه من موضوعات ذات ارتباط وثيق بعملية بناء الدولة السودانية، "وهي محط اهتمام كاتب هذه القراءة"، بعد توقف وانتهاء الحرب الدائرة الآن في البلاد. وأن هذه العملية التكاملية تحتاج لجهود ضخمة لمجموعات من الفاعلين والمتخصصين "كاتبي المقال في طليعتهم"، في كل ما يتعلق بعملية بناء الدولة والتي أصبحت في عصرنا الراهن على درجة عالية من التعقيد والتركيب.
كذلك يثير المقال سؤالًا إشكاليًا يتمثل في ماهية القوى السياسية والاجتماعية التي سوف تقوم بتنزيل أهداف المقال على الواقع المتحرك. خاصة في ظل حالة الانقسام والضعف للقوى السياسية والمدنية باعتبارها صاحبة المصلحة في الدولة المدنية الديمقراطية، ففي ظل هشاشتها الراهنة ومحدودية تأثيرها على ميزان القوة لإيقاف الحرب أولًا، ومن ثم القيام بعملية البناء الوطني. فالسؤال هو كيف يمكن لهذه القوى أن تعدل كفة ميزان القوة لمصلحتها؟ وفي حال غيابها وضعف تأثيرها ومحدوديته من هو البديل المرشح ليحل محلها؟
وفي سياق آخر، فطن المقال لعلة النموذج الديمقراطي (ويستمنستر)، حيث أثبتت التجربة العملية عدم توافقه مع واقع البلاد بتنوع وتعدد مجتمعاتها والتي لم تبلغ بعد درجة الاندماج الاجتماعي والثقافي، فتبنى نموذج الديمقراطية التوافقية الذي يبدو الخيار الأكثر ملاءمة لمقتضيات السياق السوداني لما توفره من توسيع لدائرة المشاركة في الحكم وصنع القرار بسماحها للجماعات والمكونات محدودة العدد، كما تسمح أيضًا للقوى الحديثة من لعب دور يتوافق مع قدرتها التأثيرية بمشاركتها في منابر صنع القرار والسياسات، الأمر الذي يحد من حدة الاستقطاب والحالة الصراعية مع القوى التقليدية ويسهم في استقرار نظام الحكم ويقلل من مخاطر التغيرات الفوقية لهذا النظام.
ثانيًا:
1. النظام الرئاسي والمجلس التشريعي الهجين.
2. الفيدرالية التنموية.
أولًا: النظام الرئاسي الهجين والمجلس التشريعي:
اقتراح المقال للنظام الرئاسي قد يبدو حلًا مناسبًا لمشكلة الحكم في ظل واقع متعدد ومتنوع ومتشظٍ مع النظام التشريعي الهجين، لكن المتمعن في الأزمة البنيوية للدولة والتي جاءت الحرب الراهنة كاشفة عنها، ليست في النظام السياسي فقط، بل هي أزمة ممتدة شملت بنية الدولة نفسها، الشيء الذي يفرض علينا استرداد الدولة كمؤسسة محتكرة لأجهزة العنف المشرعن وللنفوذ والسيادة ومراقبة ومشرفة على الاقتصاد وحركة رأس المال أولًا، ومن ثم ممايزتها عن السلطة وأجهزة الحكم مع تبيان الحيز والتخوم الفاصلة بينهما على النحو الذي يضمن حيادية مؤسساتها وأجهزتها ذات الطبيعة الثابتة مثل: القوات المسلحة، الخدمة المدنية والأجهزة العدلية والسلطة القضائية و...، عن أجهزة ومؤسسات الحكم والجهاز التنفيذي المتغيرة، وعدم تدخله وتغوله على مؤسساتها وأجهزتها.
وفي سياقنا السوداني، الملاحظ ليس محض التدخل والتغول والهيمنة من قبل السلطة على الدولة، بل امتد إلى ذوبانها وابتلاع السلطة لها، فبعد عمليات التسييس والأدلجة والإحالات إلى الصالح العام، تحت مظلة التطهير والتمكين وإحلال الولاء محل الكفاءة. ومن جانب آخر، تزامنت هذه الإجراءات مع عملية تفكيك ممنهج ومؤدلج منطقه، كفر وعلمانية الدولة مع الفشل في ابتكار نموذج دولوي بديل. لذلك أضعفت المؤسسات الموجودة مع صناعة مؤسسات أخرى موازية لمؤسسات الدولة الصلبة والمحايدة، فكانت المحصلة النهائية ابتلاع السلطة لما تبقى من الدولة كنتيجة لكلتا العمليتين، ومن ثم تبع ذلك سيطرة التنظيم على السلطة والمجتمع وتحكمه عليهما. بالإضافة إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي خروج أكثر من (82%) من الاقتصاد من ذمة الدولة ورقابتها المالية. لذا من غير المتصور نجاح أي نظام لحكم البلاد في ظل دولة مفقودة وسلطة مستلبة.
عليه، فالتحدي الأكبر أمامنا يكمن في مقدرتنا على استعادة الدولة واسترداد مؤسساتها وابتعاث الفاعلية فيها. فمثلًا إعادة احتكار الدولة لأجهزة العنف يعني إزالة كل مظاهر السلاح وتنظيماته باتباع الإجراءات المتعارف عليها باسم DDR
- وضع النظام الاقتصادي تحت إشراف ورقابة الدولة.
تحديد الحيز والمسافات بين مؤسسات الدولة وبين أجهزة السلطة ومؤسساتها ورسم الحدود الفاصلة بينهما، لكن هذه العملية تبقى الأكثر تعقيدًا وأكبر تحديًا يواجه الدولة بعد توقف الحرب وتخضع إلى حدٍّ كبير للكيفية التي سوف تتوقف بها الحرب. وإذا ما كان توازن القوة يرجح كفة ميزان القوى صاحبة المصلحة في بناء دولة المؤسسات، علاوة على توفر عنصري الرغبة والإرادة لدى السودانيين (شعوبًا ونخبًا) في إحداث قطيعة مع آلام الماضي والاستفتاح لحقبة جديدة تؤسس لدولة مدنية مؤسسة على مجتمع مدني وحقوق وحريات مدنية. وربما يكون أحد هذه السناريوهات التالية التي ستسهم في عملية بناء الدولة:
- التسوية التاريخية والمصالحة الوطنية التي تستشرف آفاق المستقبل الباهر، وقد تمتد لتشمل الاقتصاد الموازي لإعادته إلى حظيرة الدولة مرة أخرى.
- سيناريو غير محبذ، الضغط وفرض الإرادة الدولية والتهديد بالعقوبات والمحاكمات، مما قد يسمح ببناء دولة مؤسسات على أسس عصرية فيتم إصلاح المؤسسات القائمة وإنشاء مؤسسات جديدة تبنى الدولة، لكن وفقًا لرؤى ومصالح هذه الإرادة.
- اتفاق ثنائي بين طرفي الحرب يوقف الحرب وفقًا لمنطق ميزان القوة (استدعاء اتفاقية نيفاشا)، يعيد اقتسام كيكة السلطة مقدمًا بينهما. وهو ما قد يسمح بعودة المجتمع والحياة المدنية، وهو الأمر الذي يضع المجتمع في مواجهة السلطة إذا ما فشلت الأخيرة بالوفاء بالتزاماتها حيال مواطنيها، والتي فاقمتها الحرب. وإذا كان ليس في مقدور السلطة غير إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها فتبقى إمكانية اصطدام قطار السلطة مع قطار الشعب مسألة مرتبطة بتبلور الوعي الشعبي وانسداد الأفق واستحالة إدارة الدولة بالذهنية القديمة، ومع بزوغ قيادة تقود القطار إلى محطة الدولة المدنية.
ثانيًا: الفيدرالية التنموية:
ومما يحمد للمقال تبنيه للنظام الاتحادي كنظام لحكم البلاد عوضًا عن نظام الحكم المركزي، وكم تمنيت لو أن المقال اقتدى أيضًا بالنموذج الفرنسي اللامركزي كنظام لحكم البلاد، مثلما اقتبس منها نظامها الرئاسي.




التعليقات (0)
جاري التحميل...