بقلم: بروفيسور إبراهيم البدوي، ودكتور عصام الدين عباس
إعداد: إيهاب حسن الكاشف
تحية إجلال وتقدير للعالميْن الجليليْن لمساهماتهما القيمة في مشروع بناء الدولة السودانية، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية والحقوق والحريات والديمقراطية.
وتأتي القراءة لهذا المقال الفائق الأهمية لقناعتي بأهمية ما ورد فيه من موضوعات ذات ارتباط وثيق بعملية بناء الدولة السودانية، "وهي محط اهتمام كاتب هذه القراءة"، بعد توقف وانتهاء الحرب الدائرة الآن في البلاد. وأن هذه العملية التكاملية تحتاج لجهود ضخمة لمجموعات من الفاعلين والمتخصصين "كاتبي المقال في طليعتهم"، في كل ما يتعلق بعملية بناء الدولة والتي أصبحت في عصرنا الراهن على درجة عالية من التعقيد والتركيب.
ويحمد للمقال تناوله في مقدمته الضافية لما وصفه بالأزمة البنيوية للدولة السودانية. في محاولته لتفكيك الأزمة الوطنية الشاملة، والتعرّف على ماهية الأسباب التي أدت إلى انتشارها في جسد الدولة، والتي تعتبر الحرب الدائرة الآن الحلقة الأكثر تراجيدية من حلقات هذه الأزمة. نرى أن سببها يكمن في غياب مشروع بناء الدولة المدنية الديموقراطية القائم على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون والتوزيع العادل للثروات والمشاركة في السلطة.
وهذا المشروع الغائب هو الذي كان سيحدث القطيعة مع العنف الكامن في بنية الدولة والتي استمرت في حمولتها ومفاقمتها له، وما الحرب الدائر رحاها الآن إلا الذروة القصوى لهذا العنف. كما نجم أيضًا عن غياب هذا المشروع عدم استقرار الدولة بمختلف مظاهره السياسية والاقتصادية والاجتماعية و... و...، حتى أصبحت حالة السيولة هي الصفة الملازمة للدولة. كذلك وسم غياب المشروع الدولة بالثنائيات المقيتة، مثل ثنائية الحكم العسكري والحكم المدني، وأثرها السالب على عدم الاستقرار السياسي ونظام الحكم في البلاد، وفي تشكيلها للمؤسسة الحاكمة في البلاد وبما احتوته من النظم والقوانين والأعراف التي ظلت تحكم الممارسات السياسية والعقل السياسي السوداني بطابعها السلبي، خاصة الحالة الصراعية الناعمة والخشنة على السلطة لا بصفتها آلية لإدارة المصالح والشأن العام بل كوسيلة لتحقيق المصالح الذاتية، بالإضافة لركونها للتأثيرات القبلية والطائفية ووضعها للدولة تحت رحمة القوى الإقليمية والدولية.
ومع تغييب دولة المواطنة وحلول الدولة الزبائنية محلها بعقلها الريعي، معتمدة على ريع الجبايات عوضًا عن الإنتاج الحقيقي في المجال الصناعي والزراعي، الأمر الذي جعل "المواطن" الرعية، مسخرًا في خدمة السلطة عوضًا عن أن تكون السلطة خادمة له وموظفة لمصلحته وما نتج عن ذلك من تضعضع في شرعية السلطة، خاصة العسكرية، فأسفر عن ذلك فقد ثقة المجتمعات فيها واستفحل الأمر حتى رفعت بعضها السلاح على السلطة.
ومن جانب آخر، يحمد للمقال تطرقه لمسألة في غاية الأهمية، وهي قضية القصة الكبرى والسردية التاريخية أو حتى الأسطورة المناط بها أن تؤلف مجددًا بين قلوب السودانيين وتعيد اللُّحمة بين المسيري والرزيقي والمسلاتي مع الشكري والبطحاني والكاهلي والجعلي والنوبي و... إلخ، للتعايش في تراب هذه الأرض مثلما تساكن آباؤهم وأجدادهم مع بعضهم بعضًا، ومنذ أزمنة موغلة في القدم بعد طي صفحة هذه الحرب. فابتداع هذه السردية هو ما يحوّل العلاقة الصراعية بين القوى الدافعة نحو المركز القابض للدولة المحتكر للسلطة والقرار السياسي والثروة، وبين القوى الطاردة عن المركز إلى الكيانات القبلية والجهوية، وهو ما ظل يعزز من الخطاب المنادي بتقرير المصير والانفصال، إلى علاقة تكاملية وتوافقية بين الشعوب السودانية. وهذا الأمر يعتبر الشرط الضروري لتبني نظام الحكم الاتحادي كشكل من أشكال الحكم، لحكم البلاد مستقبلًا، عندها يتحول المركز إلى قوة جذب نحو الوحدة والعيش المشترك وتنمية المصالح المشتركة بينهم، فيصبح الاقتراب منه سببًا لضرورات المشاركة في الحكم وصناعة القرار وإدارة الموارد والثروات القومية والتوزيع العادل لها، وذلك على المستوى الرأسي، بينما تصبح القوى الطاردة عن المركز بمثابة إقراره بتفويض سلطاته وصلاحياته للمجتمعات المحلية مع حقها في حكم نفسها بنفسها وفي تحقيق ذواتها بإبراز ثقافتها ولغاتها، وذلك على المستوى الأفقي. ويمكن لعبارة "هذه الأرض لنا" أن تكون هي الأيقونة التي تشكل القصة الكبرى متضافرة مع استدعاء لتاريخنا السوداني القديم، وذلك إبرازًا للإسهام السوداني ومنذ القدم في الحضارة العالمية على النحو الذي يزيل الاغتراب عن الذات السودانية، بالإضافة أيضًا إلى عملية لتجديد الخطاب الديني بالكيفية التي تكسبنا اليقين من أن وجودنا في هذه الأرض التي تسمى السودان ومع كل هذا التنوع الفريد في الألسن والسحنات، يجعل منا آية من آيات الله تعالى.
إن الإقرار والإذعان لهذه الحقيقة هو النواة التي سوف ينبثق عنها العقد الاجتماعي أو التوافقات التي تعتبر بمثابة المخرجات والتوصيات الناتجة عن المؤتمر الدستوري بين الشعوب السودانية، والتي سوف تتشكل منها القواعد القانونية ومبادئ الدستور الدائم للبلاد.
أيضًا المقال يثير عدة أسئلة أرجو أن تجد الإجابة لاحقًا من كاتبي المقال ومن كل المهتمين بعملية بناء الدولة السودانية.
مثل سؤال: هل نحن بصدد عملية إصلاح مؤسسي للدولة؟ أم إعادة بناء لها؟ أم عملية بناء للدولة السودانية؟
وفي غالب ظني، أن الإجابة على هذا السؤال ذات ارتباط وثيق بالنتيجة التي توصل إليها المقال وهي الخلل في بنية وطبيعة الدولة السودانية، حيث يبدو هذا الخلل ملازمًا ومصاحبًا للدولة منذ ميلادها يناير 1956م، فإذا كانت العملية محض إصلاحات على أبنية ومرافق مؤسسات عامة وإعادة لبناء دولة على ذات النمط القديم المنتج لكل الأزمات السابقة وللقوى السياسية والاجتماعية المسيطرة على الدولة والسلطة، فإن هذه العملية ما هي إلا إعادة لترقيع وتلتيق لجهاز الدولة القديم ومحاولة لتجليدهم بالكلادن والزجاج، وإعادة لإنتاج أزمات المؤسسة الحاكمة التي عصفت بالدولة حتى أدخلتها في أزمتها الوطنية الشاملة، والتي جعلت البلاد في حالة تقترب من وضع اللادولة ما تبقى منها عبارة عن أطلال ورفات لدولة افتقدت للمعنى والرؤية والهدف. وتكمن أهمية تحديد طبيعة العملية أعلاه بالتغيير الجذري في الرؤية للمواطن السوداني باستبعاد صفة الرعية والتابع عنه وإذا ما كان محور أي سياسة للدولة أم لا؟




التعليقات (0)
جاري التحميل...