دكتور عثمان البشرى المهدي
جاء في الأخبار أن حزب الأمة القومي ممثلًا في السيد الأمين العام للحزب الواثق البرير، وحزب الأمة بقيادة السيد مبارك المهدي، قد وقعا بيانًا لتأكيد عدد من المعاني التي تمس الساحة السياسية السودانية.
بدءًا بتأكيدهما لأهمية الحوار الوطني الشامل دون إقصاء مع عدم جعله قاصرًا وجزئيًا، واتخاذه كغطاء سياسي ومواز للحرب. وأكدا كذلك على تحقيق المصالحة الوطنية ووحدة السودان، وإيقاف الحرب وتوفير متطلبات العودة الآمنة للسودانيين.
هذا الإعلان يعد من المبشرات وله ما بعده، فهو كسر للقطيعة النفسية قبل السياسية، من حيث تحريكه لساكن بركة السياسة، وبداية لرؤية موضوعية لماهية الخلافات بين مسميات الحزب الواحد ذات الجذور والأصول الواحدة. وقد سبقه في ذات الأسبوع إعلان وحدة بين طرفين من فصائل الحزب الاتحادي.
وإن كنت زاهدًا في تناول الشأن الحزبي، لا مدحًا ولا قدحًا، لتعقيداته وتشابكاته وتداخلاته، في كثير مما يجر المرء إلى سوء فهم مقصده وتصنيفه في معسكر الأشرار طبقًا لمفهوم كل تيار، ولكن لا مندوحة في الكتابة عن إيجابيات بدت في الأفق "فالقِبلي شال تيار لمع فوق الضلام".
البيان المشترك استطاع التوصيف السليم لماهية الحرب، وطرائق إيقافها، وإزالة آثارها الضارة والتي أقعدت بالسودان كثرًا وشردت أهله وأذلتهم، عن طريق الحوار الجامع والوحدة والسلام.
هذا من ناحية، ومن أخرى، فالبيان ينظر له أنه بداية لملمة لشعث حزب الأمة المتناثر بين قبائل السياسيين والعسكر -على حدٍّ سواء- حتى غدا فتقه مثل "شملة كنيش"، فلا يعقل أن يتبنى الحزب الدعوة لوحدة السودان شعبًا وأرضًا، بجانب إزالة خطاب الكراهية وتقبل الآخر والتناصح بين أبناء الوطن، وهو يمارس أقصى درجات العنف اللفظي والسياسي والتشرذم بين منسوبيه، في أمر بائن للجميع. إذًا، كيف يستقيم الظل والعود أعوج.
فمن المستحب جعل هذا البيان قطرة للارتواء وتوالد ذرات أخر ، في إعمال المنطق والعقل والحكمة المستمدة من الإرث المهدوي الذي وحد الدولة السودانية، يتأتى ذلك عن طريق:
1/ الاعتراف بأن هنالك كثيرًا من التباينات في المواقف داخل حزب الأمة القومي والأحزاب المنشقة.
2/ السعي لكيفية إدارة آلية الخلاف بين كل مكونات الحزب بالإنصات والتعاون وتبني الحلول الوسطية، والحفاظ على الهدوء وضبط النفس والابتعاد عن التصعيد الإعلامي الضار "فناس المديدة حرقتني" كثر. الامتناع عن التهكم وتوزيع صكوك الغفران الوطنية وحرمانها على البعض.
لعل نموذج توماس كيلمان في إدارة الخلاف لهو مجدٍ من حيث إقراره لخمس: "التنافس، التعاون، التسوية، تجنب ما يفرق، التكيف".
3/ الاتفاق على مرجعية مستمدة من فكر وأدبيات الحزب تكون هاديًا ونبراسًا.
4/ يعذر بعضنا كلنا، لأن ما يطرح ليس قرءانًا مقدسًا بل اجتهادًا بشريًا قابلًا للخطأ والصواب.
إننا في حاجة لتيار شعاره المحبة، يضم في جنباته كل الحادبين على مصلحة الحزب، السائرين بين الناس بإصلاح لا تفرقة.
فالانقسام والإنشطار لا يصنعان مشروعًا، فكل من فعل أو فكر في ذلك سيظل يبحث عن شرعية خارج حزبه، ولم ولن يجدها إلا في المقاعد الأخيرة في قطارات الآخرين مرة مع العسكر ومرة مع السياسيين... ضعف صوت الحزب فصار مشاركًا لا صانعًا للحدث.
فالوحدة و"اللمة" حول مشروع جامع هو المقصد، حينها حق علينا أن نغني "يا حبيب تعال نتلم ما دام الريد اختلط بالدم".




التعليقات (0)
جاري التحميل...