زورق الحقيقة
أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
يقدّم مشروع قانون سلام السودان (PEACE) الأمريكي إطاراً جديداً للتعامل مع الحرب السودانية، فهو يتعامل مع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالمنطق نفسه، مع اختلافات بسيطة. فالقانون، رغم شموله للطرفين، يعكس رؤية سياسية تتمثل في أن الجيش يُعامل كفاعل دولة وسلطة أمر واقع يجب دفعه نحو إصلاحات سياسية وتشكيل حكم مدني بديل، ومحاسبة قادته على أي انتهاكات، بينما يُعامل الدعم السريع كقوة مسلحة خارجة يجب الضغط عليها ومحاسبة قادتها على أي انتهاكات. وقد ورد ذكر الجيش 14 مرة، والدعم السريع 22 مرة. هذا التمييز هو جوهر القانون في تصوري.
وسوف يصبح القانون نافذاً بعد توقيع ترامب عليه، وأتوقع أن يتم ذلك سريعاً للتأييد الواسع الذي يحظى به في غرفتي الكونغرس. ولفهم تأثير القانون على موازين القوى داخل السودان، أقدم هذه القراءة.
أولاً: الجيش السوداني.. ضغط لإعادة تعريف دوره السياسي
يفرض القانون على الجيش وقادته ضغوطاً تهدف إلى تغيير سلوكه السياسي، وليس إنهاء وجوده. فواشنطن تدرك أن الجيش، رغم مسؤوليته عن انتهاكات واسعة، يظل المؤسسة التي يمكن أن تشارك في انتقال سياسي نحو حكم مدني إذا توفرت الضمانات. لذلك تتركز الضغوط على:
• إجباره على القبول بحكومة مدنية.
• منع أي دعم دولي لحكومة يقودها العسكريون.
• ربط التمويل الدولي بوقف الانتهاكات.
• مراقبة الدعم العسكري الذي يتلقاه من دول إقليمية.
هذه الضغوط لا تستهدف تفكيك الجيش، بل إعادة ضبط دوره ليصبح جزءاً من حل سياسي يسمح بالانتقال إلى الحكم المدني، لا طرفاً مسيطراً على الدولة. بمعنى آخر، يسعى القانون إلى ترويض الجيش لا عزله، وإبعاده عن العمل السياسي والمضي نحو تشكيل حكم مدني بديل للحكم العسكري البرهاني.
ثانياً: قوات الدعم السريع.. ضغط يهدف إلى تفكيك القوة لا إصلاحها
على النقيض، يتعامل القانون مع الدعم السريع باعتباره مصدر الخطر الأكبر على المدنيين ووحدة الدولة. لذلك فإن الضغوط عليه ليست سياسية فقط، بل وجودية في تصوري:
• احتمال تصنيفه منظمة إرهابية عالمية.
• استهداف شبكات الذهب والتهريب التي تموّله.
• ملاحقة قادته عبر العقوبات الفردية.
• منع أي اعتراف دولي به كفاعل سياسي.
• تحميله المسؤولية الأكبر عن الفظائع في دارفور والخرطوم وغيرها، مع تحميل الجيش مسؤولية انتهاكات مماثلة أقل حدة.
هذه الضغوط ربما تعكس قناعة أمريكية بأن الدعم السريع لا يمكن دمجه في أي ترتيبات سياسية دون تفكيك بنيته العسكرية والمالية. بمعنى آخر، يسعى القانون إلى تحجيم الدعم السريع حتى حدود الانهيار السياسي والمالي، أو الضغط عليه بصورة أكبر في الجوانب المؤثرة على وجوده وحركته. لكن القانون طلب من الجهات المعنية مراقبة التسليح والتهريب للطرفين، ورفع تقارير إلى الكونغرس كل ثلاثة أشهر.
ثالثاً: البعد الإقليمي.. رسائل مختلفة لحلفاء الطرفين
يرسل مشروع القانون رسائل واضحة إلى الدول الإقليمية:
• حلفاء الجيش (مثل بعض الدول العربية):
الرسالة هي ضرورة دفع الجيش نحو مسار سياسي، وليس دعمه للسيطرة على الدولة. كما أن مشروع القانون يراقب التسليح والدعم اللوجستي لطرفي الحرب.
• حلفاء الدعم السريع:
الرسالة أكثر حدة؛ إذ إن أي دعم عسكري أو مالي سيُعتبر مساهمة في الفظائع، وقد يؤدي إلى عقوبات مباشرة.
ويعكس هذا التمييز رغبة واشنطن في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية التي غذّت الحرب.
رابعاً: إعادة رسم موازين القوى داخل السودان
لا يكتفي مشروع القانون بالضغط على الطرفين، بل يسعى إلى هندسة مشهد سياسي جديد:
• الجيش يُدفع نحو التفاوض والانتقال المدني.
• الدعم السريع يُدفع نحو التفكك أو الاندماج تحت شروط صارمة.
• القوى المدنية تُمنح مساحة أكبر عبر الضغط على الطرفين ومساعدتها في قيادة وتشكيل الحكم المدني.
• التدخلات الخارجية تُوضع تحت رقابة صارمة.
وبهذا المعنى، فإن مشروع القانون ليس مجرد أداة عقوبات، بل أداة لإعادة ترتيب السلطة داخل السودان.
خاتمة: قانون بوجهين ورسالة واحدة
الجيش والدعم السريع كلاهما تحت الضغط، لكن:
• الجيش: مطلوب منه أن يتغير.
• الدعم السريع: مطلوب منه أن يتراجع.
• المدنيون: مطلوب أن يعودوا إلى مركز العملية السياسية وقيادة الحكم المدني، ويمكن قراءة ذلك أيضاً في سياق الجهود الأمريكية ضمن الرباعية والخماسية.
مشروع القانون، في جوهره، يعكس رؤية أمريكية مفادها أن استقرار السودان لن يتحقق إلا بإنهاء اقتصاد الحرب، وتفكيك الميليشيات، وإعادة الجيش إلى دوره الطبيعي، وإبعاد البندقية عن السياسة، وتمكين المدنيين من قيادة المرحلة المقبلة.
فهل تنجح أمريكا في ذلك بعد فشل قيادتها، عبر مسعد بولس، في إحداث اختراق يوقف الحرب؟ سوف نرى في قادم الشهور.




التعليقات (0)
جاري التحميل...