مهدي داود الخليفة
يمثل حديث الأستاذ قصي محجوب، الأمين العام للتيار الإسلامي العريض، أول محاولة معلنة لإعادة تقديم الحركة الإسلامية السودانية للرأي العام بعد سقوط نظام الإنقاذ. وقد حمل الحوار اعترافات تستحق الترحيب، خصوصًا إقراره بوجود أخطاء منهجية صاحبت تجربة الحكم، وإعلانه قرب صدور كتاب يتناول مراجعات شاملة لمسيرة الحركة الإسلامية منذ نشأتها.
إن مجرد الإقرار بالحاجة إلى المراجعة خطوة إيجابية، لأن الأحزاب التي ترفض مراجعة تجاربها محكوم عليها بتكرار أخطائها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام مراجعة حقيقية، أم أمام إعادة تموضع سياسي فرضتها المتغيرات؟
هناك فرق جوهري بين مراجعة تعيد تقييم الوسائل، ومراجعة تعترف بمسؤولية المشروع السياسي نفسه عن النتائج التي انتهى إليها.
لقد حكمت الحركة الإسلامية السودان ثلاثين عامًا بسلطة مطلقة تقريبًا، وانتهى حكمها بثورة شعبية لم تكن مجرد احتجاج اقتصادي، بل كانت حكمًا سياسيًا وأخلاقيًا على تجربة كاملة. وخلال تلك العقود، عاش السودان واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا، حيث اتسعت رقعة الحروب، وتراجعت الحريات العامة، وتعرض آلاف المعارضين للاعتقال والتعذيب، وفقد كثيرون حياتهم داخل بيوت الأشباح أو في ساحات القتال أو نتيجة القمع السياسي، بينما تمددت شبكات الفساد والمحسوبية، واستُبيح المال العام، وتحولت الدولة إلى ساحة للتمكين الحزبي بدلًا من أن تكون دولة لجميع المواطنين.
كما شهدت تلك الفترة انهيار مؤسسات كانت تمثل رموزًا للاقتصاد السوداني، مثل: "مشروع الجزيرة، والخطوط الجوية السودانية، والخطوط البحرية السودانية، والسكة الحديد"، وتراجعت الخدمة المدنية التي كانت تُعد من أكثر مؤسسات الدولة كفاءة في المنطقة، بعد أن حلَّ الولاء السياسي محل الكفاءة المهنية.
لهذا كله، فإن أية مراجعة تتجاوز سؤال المسؤولية الأخلاقية والسياسية تظل مراجعة ناقصة.
لقد تحدث الأستاذ قصي عن "تضخم العقل السياسي"، لكنه لم يتحدث عن ضحايا ذلك العقل السياسي. تحدث عن أخطاء في إدارة الدولة، لكنه لم يتحدث عن الذين فقدوا أبناءهم في الحروب، ولا عن آلاف المعتقلين وضحايا التعذيب، ولا عن الذين شُردوا من وظائفهم تحت شعار الصالح العام، ولا عن ملايين السودانيين الذين دفعوا ثمن سياسات اقتصادية وإدارية انتهت بانهيار الدولة نفسها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أين الاعتذار؟
فالاعتذار ليس مجرد عبارة بروتوكولية، وإنما اعتراف بالمسؤولية، ومدخل للمصالحة الوطنية. ولم تعرف أية تجربة انتقال ديمقراطي ناجحة في العالم تجاوز الماضي دون مواجهة صريحة معه.
إن الاكتفاء بالحديث عن مراجعات تنظيمية وفكرية، مع تجاوز الحديث عن الضحايا، فإنه يجعل المراجعة أقرب إلى مراجعة الأداء، لا مراجعة التجربة نفسها.
ومن أكثر ما يثير التساؤل في حديث الأستاذ قصي، تأكيده حدوث تحول تنظيمي كبير، والانتقال من التنظيم الهرمي إلى "العمل الشبكي"، لكن السؤال ليس كيف يُدار التنظيم، بل مَنْ يقوده؟
فالتحول الحقيقي يبدأ من القيادات قبل الهياكل.
ولهذا تبدو إعادة انتخاب الأستاذ علي كرتي رئيسًا للتيار الإسلامي العريض، رسالة تناقض تمامًا خطاب التجديد. فإذا كانت الحركة تعلن أنها بصدد مراجعة تاريخية، فلماذا تعود إلى واحدة من أكثر الشخصيات ارتباطًا بمرحلة الإنقاذ؟ وكيف يمكن للرأي العام أن يصدق أن هناك ميلادًا جديدًا، بينما الوجوه القديمة لا تزال تتصدر المشهد؟
إن الشعوب لا تقيس التغيير بالشعارات، وإنما بالرموز. والرموز في السياسة ليسوا مجرد أفراد، بل يمثلون الذاكرة الجمعية للتجربة كلها.
كما لا يمكن إغفال حقيقة أن الحركة الإسلامية درجت، طوال تاريخها، على تغيير أسمائها كلما دخلت مرحلة سياسية جديدة. فمن الاتجاه الإسلامي، إلى جبهة الميثاق الإسلامي، ثم الجبهة القومية الإسلامية، ثم المؤتمر الوطني، واليوم التيار الإسلامي العريض.
غير أن تبديل اللافتة لا يعني بالضرورة تبديل المشروع.
ومن النقاط التي تستحق الانتباه في حديث الأستاذ قصي، إعلانه أن التيار لا يسعى للمشاركة في السلطة خلال الفترة الانتقالية، وأنه يفضّل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. وهذا موقف ينسجم مع أبجديات الانتقال الديمقراطي، لأن الأنظمة التي تُسقطها الثورات الشعبية لا تعود عادة شريكًا في إدارة المرحلة الانتقالية، حتى لا تتحول الفترة الانتقالية إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام السابق، وإنما يكون الاحتكام للشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة.
فالانتخابات لا تمنح براءة سياسية، وإنما تمنح فرصة للتنافس. أما استعادة ثقة المواطنين، فلا تتحقق بالبرامج وحدها، بل تحتاج إلى مواجهة الماضي بشجاعة، والاعتراف الكامل بالأخطاء، والاعتذار للضحايا، وقبول مبدأ العدالة الانتقالية، والكشف عن الحقيقة، واسترداد الأموال العامة، والالتزام بعدم تكرار التجربة.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى تغيير أسماء التنظيمات، بل إلى تغيير الثقافة السياسية التي جعلت السلطة غاية في ذاتها، وقدمت الولاء على الكفاءة، والحزب على الدولة، والتنظيم على الوطن.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام، لا البيانات الإعلامية:
هل تمتلك الحركة الإسلامية الشجاعة للاعتذار للشعب السوداني، والاعتراف بمسؤوليتها عن ثلاثة عقود من الاستبداد والفساد والحروب، أم أن ما يجري ليس سوى محاولة لإعادة تسويق المشروع القديم بلغة جديدة؟
فالمراجعة الحقيقية ليست مراجعة للأفكار وحدها، وإنما مراجعة للضمير السياسي أيضًا. والتاريخ لا يكتبه من يغير اسمه، وإنما من يمتلك الشجاعة الكاملة للاعتراف بأخطائه، وتحمل مسؤوليتها، ثم تقديم نموذج مختلف يستحق ثقة المواطنين.




التعليقات (0)
جاري التحميل...