طاهر المعتصم
كلما اقتربت الحروب من نهاياتها، تغيرت طبيعة الصراع. البنادق تخفت أصواتها، بينما ترتفع همسات السياسة. والخرائط العسكرية تفسح المجال لخرائط النفوذ. وهذا بالضبط ما يبدو أن السودان يقترب منه اليوم.
فالحراك الأمريكي المتسارع تجاه الملف السوداني لا يمكن قراءته بمعزل عن ترتيبات اليوم التالي للحرب. ومن الطبيعي أن تتحول واشنطن، بما تملكه من تأثير على المؤسسات الدولية والإقليمية، إلى محطة يسعى الجميع إلى الاقتراب منها. غير أن اللافت هذه المرة أن التنافس لم يعد بين أطراف الحرب وحدها، وإنما امتد إلى داخل المعسكر الذي يفترض أنه يقف في خندق واحد.
تتحدث الأوساط السياسية عن تباينات حادة برزت في إدارة ملف التواصل مع الولايات المتحدة، بعد اللقاء الذي جمع الفريق أول ركن شمس الدين كباشي بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، كما تتداول معلومات عن لقاءات وتحركات دبلوماسية أخرى خلال الأيام المقبلة بين البرهان وبوليس. ولا يهم هنا تأكيد هذه الروايات أو نفيها بقدر ما تهم دلالتها السياسية؛ فمجرد تداولها بهذا الزخم يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مَنْ يدير العلاقة مع واشنطن قد يمتلك ورقة مؤثرة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
الأمر لا يتوقف عند المؤسسة العسكرية. فالحركات المسلحة، التي خاضت الحرب إلى جانب القوات المسلحة، بدأت هي الأخرى تراقب المشهد بقلق، وسط شعور متزايد بأنها ليست حاضرة بالقدر الكافي في النقاشات المتعلقة بمستقبل التسوية. وهذا الإحساس، يفتح بابًا جديدًا للتباينات داخل التحالف الذي فرضته ظروف الحرب.
وفي المقابل، يزداد الشارع ابتعادًا عن هذه الحسابات. المواطن الذي ينتظر عودة الكهرباء، واستقرار المياه، وانفراج الأزمة الأمنية، لا تعنيه كثيرًا أسماء الوسطاء ولا خرائط اللقاءات. لذلك تتصاعد الأحاديث عن اتجاه لتعديل وزاري واسع، وتغيير ولاة الولايات، في محاولة لامتصاص حالة الاحتقان الشعبي. غير أن تبديل المسؤولين لن يكون كافيًا إذا بقيت طريقة إدارة الدولة على حالها، وإذا استمرت الأولوية لتوازنات السلطة بدلًا من معالجة أزمات الناس.
التاريخ السوداني يقدم درسًا لا ينبغي تجاهله. ففي كل المراحل الانتقالية تقريبًا، كانت الخلافات داخل معسكر المنتصر تبدأ قبل أن تكتمل معركة بناء الدولة. وما أن ينحسر الخطر المشترك حتى تعود التناقضات القديمة إلى السطح، ويتحول السؤال من: كيف ننتصر؟ إلى: من يحكم؟
لهذا فإن التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم ليس كسب ود واشنطن أو أية عاصمة أخرى، وإنما الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة، والانفتاح نحو القوى المدنية والسياسية، والبحث عن سلام عادل وحقيقي، وإدارة التنوع داخل معسكرها السياسي والعسكري بحكمة، لأن الصراعات التي تبدأ على أبواب التسويات كثيرًا ما تنتهي بإضاعة السلام نفسه.
فالسلطة التي تبحث عن شرعيتها في الخارج قد تكسب وقتًا، لكنها لا تكسب وطنًا. أما الشرعية التي تُبنى على السلام الحقيقي ورضا المواطنين، وعلى دولة المؤسسات وسيادة القانون، فهي وحدها التي تستطيع أن تعبر بالسودان من زمن الحرب إلى زمن الدولة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...