تعكس التحذيرات المتتالية الصادرة عن الأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، وأكثر من عشرين دولة، وأخيرًا الولايات المتحدة الأميركية، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن مدينة الأبيض تقف على حافة كارثة إنسانية جديدة. فالمؤشرات التي تتحدث عن حشود عسكرية واحتمالات وقوع فظائع جماعية، تفرض على المجتمعيْن الإقليمي والدولي الانتقال من مرحلة التحذير وإبداء القلق إلى مرحلة الفعل الوقائي، لأن حماية المدنيين ليست خيارًا سياسيًا، وإنما التزام قانوني وأخلاقي يفرضه القانون الدولي الإنساني.
إن المدنيين في الأبيض وفي مختلف أنحاء السودان، ظلوا يدفعون الثمن الأكبر لهذه الحرب، حيث أصبحت الأحياء السكنية والمرافق المدنية ساحات للصراع، في انتهاك صارخ للمبادئ الأساسية التي تلزم أطراف النزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. ومع استمرار الانتهاكات وتكرار الإدانات الدولية من دون إجراءات رادعة، تتزايد المخاوف من أن تتحول التحذيرات إلى مجرد توثيق مسبق لكارثة كان بالإمكان منعها، وهو ما يضع مصداقية منظومة حماية المدنيين الدولية أمام اختبار حقيقي.
إن المطلوب اليوم يتجاوز إصدار البيانات إلى بناء آلية دولية وإقليمية فعالة للضغط على طرفي النزاع، تشمل مراقبة الانتهاكات بصورة مستقلة، وضمان ممرات إنسانية آمنة، وفرض إجراءات عقابية على كلِّ من يستهدف المدنيين أو يعرقل وصول الإغاثة، مع تعزيز جهود المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. فحماية مدينة الأبيض ليست قضية محلية تخص سكانها وحدهم، وإنما تمثل اختبارًا لإرادة المجتمع الدولي في الوفاء بمسؤولياته تجاه المدنيين، ورسالة واضحة بأن أرواح الأبرياء لا ينبغي أن تبقى رهينة للحسابات العسكرية.


التعليقات (0)
جاري التحميل...