منى الرشيد نايل

 

في عام 1927م نشر الفيلسوف الفرنسي جوليان بيندا كتابه الشهير: La Trahison des Clercs، الذي اُشتهر في العربية بعنوان: "خيانة المثقفين".لكن حتى هذا العنوان يحتاج إلى وقفة. فكلمة Clercs الفرنسية لا تعني "المثقفين" بالمعنى الضيق للكلمة، ولها جذور قديمة ارتبطت برجل الدين أو رجل العلم، ثم اتّسع معناها لتشير إلى أصحاب الفكر والمعرفة والثقافة. أما بيندا فيستخدمها للدلالة على رجال الفكر الذين يفترض أن تكون لهم رسالة تتجاوز المصالح السياسية والمادية، وأن يدافعوا عن الحقيقة والقيم الأخلاقية والإنسانية.

 

لذلك فإن "خيانة المثقفين" ليست ترجمة حرفية تمامًا، لكنها ترجمة دلالية شائعة ومقبولة لمقصود بيندا. ويمكن أيضًا فهم العنوان بمعنى: "خيانة رجال الفكر" أو "خيانة أهل الفكر".

ومن هنا يصبح السؤال الذي أريد أن أطرحه، لا أن أكتفي بتلخيص كتاب بيندا: ماذا خان المثقف؟

هل خان الحقيقة؟

أم خان ضميره؟

أم خان الدور الذي يفترض أن يؤديه في المجتمع؟

 

المثقف ليس مجرد متعلم.

ليس كل من يحمل شهادة أو يكتب مقالًا أو يظهر على شاشة إعلامية مثقفًا بالضرورة، الثقافة ليست كمية المعلومات التي نمتلكها، وإنما الطريقة التي نستخدم بها هذه المعرفة. فالمثقف الحقيقي، في أبسط تعريف له، هو من يستطيع أن يفكر، وأن يسأل، وأن يراجع نفسه، وأن يقول: "لا أعرف" عندما لا يعرف، وأن يقول: "كنت مخطئًا" عندما يكتشف خطأه... والأهم من ذلك كله أن يستطيع أن يقول الحقيقة حتى عندما لا تكون الحقيقة في مصلحته.

 

متى تبدأ الخيانة؟

لا تبدأ خيانة المثقف عندما يخطئ. فالمثقف إنسان، ومن الطبيعي أن يخطئ في الرأي أو التحليل أو التقدير، لكن الخطر يبدأ عندما يعرف أنه مخطئ ويصر على الخطأ، لأن الاعتراف به قد يخسرّه موقعًا أو جماعة أو مصلحة. وقد يعرف الحقيقة لكنه يخشى قولها، وقد يرى الظلم لكنه يبحث له عن مبرر، وقد يهاجم خصمه بسبب فعل معين، ثم يدافع عن الفعل نفسه عندما يرتكبه حليفه... هنا لا تعود المشكلة في الثقافة، المشكلة تصبح في الضمير.

هل يجب أن يكون المثقف محايدًا؟

هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى التمييز، ليس مطلوبًا من المثقف أن يكون بلا موقف

فمن حقه أن ينحاز إلى الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وأن يرفض الظلم والاستبداد، وأن يدافع عن وطنه وقضايا مجتمعه، لكن هناك فرقًا بين الانحياز إلى قيمة والانحياز إلى جماعة.

إذا كنتُ مع العدالة، ثم أخطأ من أحبهم، فلا يجوز أن تتحول محبتي لهم إلى مبرر للخطأ، وإذا كنت ضد الظلم، فلا ينبغي أن يصبح الظلم مقبولًا فقط لأن مرتكبه يقف في الجانب الذي أؤيده. هنا يُختبر المثقف.

 

أصعب موقف للمثقف

ربما تكون أسهل مهمة للمثقف أن ينتقد خصومه، فالناس غالبًا يصفقون لمن يقول ما يوافق أفكارهم، لكن أصعب مهمة هي أن ينتقد المثقف جماعته نفسها؛ أن يقول لمن يحبهم: أنتم مخطئون، أن يقول لمن ينتمي إليهم: هذا الفعل غير مقبول، أن يقول لمن يؤيده: لا أستطيع أن أبرر هذا الخطأ، وهنا تصبح الاستقلالية الفكرية أكثر من شعار، تصبح ممارسة يومية.

 

المثقف والسلطة

السلطة تحتاج دائمًا إلى من يبرر لها، وقد يكون هذا المبرر سياسيًا، أو إعلاميًا، أو أكاديميًا، أو ثقافيًا، لكن وظيفة المثقف ليست أن يقول للسلطة ما تريد سماعه، وظيفته أن يسألها عما لا تريد الإجابة عنه. فالسلطة تبحث عادةً عن التأييد، بينما يحتاج المجتمع إلى النقد، والفرق بين الاثنين كبير. ولهذا فإن المثقف الذي يفقد قدرته على مساءلة السلطة، أيًّا كانت هذه السلطة، يفقد جزءًا أساسيًا من دوره.

لكن هل كل سلطة سياسية هي المشكلة؟ لا، فالخضوع لا يكون للسلطة السياسية وحدها، قد يخضع المثقف لحزبه، أو جماعته، أو أيديولوجيته، أو جمهوره، أو حتى لمصالحه الشخصية، وقد يصبح خائفًا من فقدان جمهوره أكثر من خوفه من فقدان الحقيقة، وهنا نصل إلى صورة أكثر تعقيدًا للمشكلة. أحيانًا لا تحتاج السلطة إلى إسكات المثقف؛ يكفي أن تجعله راغبًا في إرضائها.

 

المثقف في زمن الحرب

في زمن الحرب تصبح مهمة المثقف أكثر صعوبة، فالناس يكونون غاضبين وخائفين، والانقسام يصبح أكثر حِدة، وكل طرف يريد أن يرى العالم من زاويته. وقد يصبح النقد في نظر البعض خيانة، وقد تتحول الأسئلة إلى تهمة، وقد يصبح مجرد الاعتراف بخطأ أحد الأطراف أمرًا صعبًا، لكن الحرب لا تلغي الأخلاق. قتل المدنيين يظل جريمة أيًا كان مرتكبها، والظلم يظل ظلمًا حتى عندما يأتي من الطرف الذي نؤيده، والكراهية لا تصبح فضيلة لأنها ارتدت ثوب الوطنية. وهنا يحتاج المجتمع إلى المثقف أكثر من أي وقت آخر.

 

المثقف السوداني أمام امتحان صعب

وفي السودان، أصبح السؤال أكثر قسوة، فالحرب لم تترك بيتًا بعيدًا عن آثارها، ولم تترك المجتمع كما كان، وأمام هذا الواقع، يجد المثقف نفسه بين ضغوط كثيرة: الانتماء، والخوف، والغضب، والذاكرة، والمواقف السياسية، ومشاعر الناس.

لكن السؤال يبقى: هل يستطيع المثقف أن يحتفظ بمسافة نقدية وسط كل هذا الألم؟

هل يستطيع أن يرفض الجريمة حتى عندما يرتكبها من يؤيده؟

هل يستطيع أن يدافع عن المدنيين دون أن يسأل أولًا عن انتمائهم؟

هل يستطيع أن يقول: إن الوطن أكبر من أية جماعة، وإن الإنسان أهم من أي شعار؟

هذه ليست أسئلة سهلة، لكن ربما تكون قيمة المثقف الحقيقية في قدرته على طرح الأسئلة الصعبة عندما يخاف الآخرون من طرحها.

 

هل الصمت خيانة؟ ليس كل صمت خيانة، أحيانًا يكون الصمت حكمة، وأحيانًا يكون الإنسان غير قادر على الكلام، أو يحتاج إلى وقت ليفهم ما يحدث، لكن هناك صمتًا آخر، صمت يعرف صاحبه الحقيقة، ويرى الظلم، ويملك القدرة على الكلام، لكنه يختار الصمت لأنه يخشى خسارة مصلحته أو موقعه أو جماعته.

 

وهنا يصبح السؤال: من الذي يحميه هذا الصمت؟ إذا كان الصمت يحمي الإنسان من خطر حقيقي، فقد يكون مفهومًا، أما إذا كان يحمي الظلم من النقد، فهنا يصبح الصمت موقفًا.

 

لا نحتاج إلى مثقف معصوم

ربما من الأخطاء أن نطلب من المثقف أن يكون دائمًا على صواب، لا أحد يستطيع ذلك

المطلوب ليس العصمة، وإنما النزاهة، أن يكون قادرًا على مراجعة أفكاره، أن يعترف بخطئه

أن يغير موقفه عندما تتغير الحقائق، أن يفرق بين الحقيقة ورغبته في أن تكون الحقيقة كما يريد، وأن يتذكر دائمًا أن امتلاك المعرفة لا يعني امتلاك الحقيقة كاملة.

 

ماذا نريد من المثقف إذًا؟

نريد مثقفًا له موقف، ولكن ليس له ثمن، ينتمي، ولكن لا يصبح تابعًا، يدافع، ولكن لا يبرر،

يختلف، ولكن لا يكره، ينتقد الآخرين، ولكنه يستطيع أن ينتقد نفسه، يحب وطنه، ولكن حبه للوطن لا يمنعه من رؤية أخطائه، ويعرف أن الإنسان الذي أمامه أهم من الفكرة التي يحملها عنه.

 

وماذا بقي من سؤال بيندا؟

بعد قرابة قرن من ظهور كتاب "خيانة المثقفين"، لا يبدو أن السؤال قد انتهى، بل ربما أصبح أكثر حضورًا. فالمشكلة اليوم ليست فقط في المثقف الذي يخدم السلطة. هناك أيضًا المثقف الذي يخدم الجمهور، والمثقف الذي يخدم الأيديولوجيا، والمثقف الذي يخدم صورته، والمثقف الذي يخشى أن يخسر مكانته إذا قال ما لا يريد الناس سماعه.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس مَن هو المثقف الخائن؟ بل هل يستطيع المثقف أن يظل وفيًا لضميره عندما تصبح الحقيقة مكلفة؟ وهنا، في تقديري، تكمن المسألة كلها. فالمثقف قد يخطئ، وقد يختلف، وقد يغير رأيه. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث له هو أن يعرف الحقيقة ثم يبحث عن طريقة لخيانتها.

فماذا خان المثقف إذًا؟ ربما لم يخن الحقيقة وحدها؛ لقد خان، قبل ذلك، ضميره الذي كان يفترض أن يقوده إليها.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...