د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
هذا المقال هو قراءة قانونية في وثيقة أصلية من وثائق الدولة المهدية، تتمثل في الاستفتاء الذي بعث به حبيب الله موسى إلى الإمام محمد أحمد المهدي، ورد الإمام عليه، والمنشورين ضمن الآثار الكاملة للإمام المهدي، المجلد الثالث، الصفحتين (130-131). وتكتسب هذه الوثيقة أهميتها من كونها تعبر عن سياسة قضائية طبقتها الدولة المهدية، لا عن رواية تاريخية أو تحليل لاحق.
القيادة الراشدة تبدأ بفهم الواقع
إن فهم الواقع، واستيعاب تعقيداته، والموازنة بين الحقوق والمصالح المتعارضة، بما يحفظ التوازن في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، يعد من أبرز سمات القيادة الحكيمة والراشدة. فالقائد لا يقاس بقدرته على استحضار الأحكام المجردة فحسب، وإنما بقدرته على تنزيلها على الواقع بما يحقق مقاصدها، ويمنع اضطراب المجتمع، ويصون استقرار المعاملات، ويعزز ثقة الناس في العدالة. ولهذا كانت السياسة الشرعية في جوهرها فقهًا للواقع بقدر ما هي فقه للنص، لأن إقامة الدولة لا تتحقق بمجرد تطبيق الأحكام، وإنما بحسن توظيفها في الزمان والمكان اللذيْن يحققان المصلحة العامة ويدرآن الفتنة والاضطراب.
ومن أبلغ النماذج التي تجسد هذا المعنى في تاريخ السودان، القضاء الذي أصدره الإمام محمد أحمد المهدي ردًا على الاستفتاء الذي بعث به إليه حبيب الله موسى، بشأن نزاع حول بيع أرض تم في العهد التركي، ثم آلت إلى مشترٍ غير مسلم، قبل أن يطالب أصحابها الأولون بإبطال البيع بعد قيام الدولة المهدية. فهذه الواقعة، على وجازتها، لا تكشف عن حكم فقهي في مسألة ملكية فحسب، وإنما تقدم نموذجًا متقدمًا لكيفية إدارة الدولة للتحولات السياسية والقانونية التي تعقب انتقال السلطة.
القضية التي عرضت على الإمام
يتلخص النزاع في أن شخصًا اشترى أرضًا في ظل الحكومة التركية، ثم باعها إلى رجل نصراني، وبعد مضي نحو ست سنوات عاد البائعون الأولون يطعنون في البيع، طالبين استرداد الأرض بدعوى أن المشتري الأول لم يتملكها على وجه صحيح.
وكان السؤال الموجه إلى الإمام يتجاوز النزاع الفردي؛ إذ انطوى على إشكال يتعلق بمصير المعاملات التي أبرمت في ظل النظام السابق، وما إذا كان قيام الدولة المهدية يقتضي إعادة النظر فيها.
قاعدة عامة قبل الفصل في النزاع
أول ما يلفت النظر في جواب الإمام أنه لم يبدأ بمناقشة الوقائع، وإنما استهل حكمه بقوله: "قد صار التنبيه من سابق بأن المعاملات التي حصلت مع الترك وأتباعهم...". وهذه العبارة في غاية الأهمية من الناحية القانونية؛ لأنها تدل على أن الإمام لم يكن يؤسس حكمًا جديدًا خاصًا بهذه الواقعة، وإنما كان يطبق قاعدة عامة سبق أن قررتها الدولة.
فالتعبير "قد صار التنبيه من سابق" يكشف عن وجود توجيه أو منشور سابق ينظم كيفية التعامل مع التصرفات التي تمت في العهد التركي، وهو ما يعني أن الدولة المهدية لم تكن تعالج هذه المسائل على أساس الاجتهاد الفردي في كلِّ قضية، وإنما وفق سياسة قانونية عامة.
وهذا في حدِّ ذاته يعكس وعيًا مؤسسيًا متقدمًا، إذ انتقل القضاء من مجرد الفصل في الخصومات إلى تطبيق قواعد عامة مجردة، تحقق المساواة بين الناس، وتوفر قدرًا من اليقين والاستقرار في المعاملات.
استقرار المعاملات قبل تصفية الماضي
لم يتعامل الإمام مع سقوط الحكم التركي باعتباره سببًا لإهدار جميع التصرفات التي تمت في ظله، بل أدرك أن فتح هذا الباب سيؤدي إلى اضطراب المجتمع، ولذلك علَّل حكمه بقوله: "فإن نقضها يحصل خلل كبير وعدم استقامة".
وهذه العبارة تختزل فلسفة قانونية كاملة. فالإمام لم يستند فقط إلى حكم فقهي مجرد، وإنما نظر إلى النتائج التي ستترتب على إعادة فتح البيوع والعقود السابقة. فاستقرار المجتمع، وثقة الناس في معاملاتهم، واستمرار النشاط الاقتصادي، كلها اعتبارات لا تقل أهمية عن الفصل في نزاع فردي. ولذلك رفض سماع الدعوى، وقرر عدم نقض البيع، ليس دفاعًا عن النظام التركي، وإنما حمايةً لاستقرار المجتمع والدولة.
تمييز دقيق بين البيع والملكية
ولعل أكثر ما يميز هذا القضاء، أنه لم يخلط بين مسألتين مختلفتين. فالإمام لم يبطل البيع، ولم يعد الأرض إلى أصحابها الأولين، كما لم يقبل دعواهم بعد مضي السنوات. وبذلك انتهت الخصومة المتعلقة بصحة التصرف. ثم انتقل بعد ذلك إلى تطبيق القاعدة التي كانت الدولة المهدية تعمل بها في شأن أموال غير المسلمين، فقرر أن المشتري إن أسلم بقي المال له، وإن لم يسلم آل إلى بيت المال.
وهذا يعني أن انتقال المال إلى بيت المال لم يكن أثرًا لبطلان البيع، ولم يكن استجابة لطلب المدّعين، وإنما نتيجة لتطبيق قاعدة عامة مستقلة عن النزاع الأصلي. ولو كان البيع باطلًا، لوجب إعادة الأرض إلى أصحابها الأولين، لا إلى بيت المال. أما وقد رفض الإمام إعادة الأرض إليهم، فإن ذلك يؤكد أن الحكم لم يبن على بطلان التصرف، وإنما على أساس قانوني آخر.
وهنا تظهر الدقة المنهجية في القضاء؛ إذ فصل الإمام بين صحة المعاملة وبين القواعد العامة التي تحكم المركز القانوني للمالك في ظل النظام الذي أقامته الدولة المهدية.
قضاء رجل دولة لا مجرد فتوى فقيه
تبدو قيمة هذه الوثيقة بصورة أوضح إذا أدركنا أنها ليست فتوى في كتاب من كتب الفقه، وإنما حكم صادر عن مؤسس دولة كان يواجه تحديات الانتقال من نظام سياسي إلى آخر.
فلو نظر الإمام إلى المسألة بعين الفقيه المجرد، لاقتصر على بيان حكم البيع. أما وهو ينظر إليها بوصفه رئيسًا لدولة ناشئة، فقد كان معنيًا أيضًا بحماية النظام العام، واستقرار الملكيات، ومنع انفجار الخصومات التي كان من الممكن أن تعصف بالسلم الاجتماعي والاقتصادي.
ومن هنا جاءت عبارته الجامعة بأن نقض المعاملات السابقة يؤدي إلى "خلل كبير وعدم استقامة"، وهي عبارة تحمل في طياتها منطق رجل الدولة أكثر مما تحمل لغة الفتوى المجردة.
قراءة الوثيقة في سياقها التاريخي
ومن الخطأ، في تقديري، أن تُقرأ هذه الوثيقة بمعزل عن ظروفها التاريخية، أو أن تُقارن مباشرة بأقوال الفقهاء في باب ملكية غير المسلمين دون استحضار السياق الذي صدرت فيه.
فالدولة المهدية لم تنشأ في ظروف اعتيادية، وإنما جاءت عقب ثورة أسقطت نظامًا سياسيًا وإداريًا كاملًا، وكانت مطالبة بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتنظيم الحقوق، وترسيخ الشرعية.
وفي مثل هذه الظروف، لا تكون الأحكام القضائية مجرد تطبيق نظري لقواعد الفقه، وإنما تكون جزءًا من عملية بناء الدولة وإدارة مرحلة انتقالية معقدة.
ولهذا فإن السؤال العلمي ليس: هل وافق الإمام المهدي جمهور الفقهاء أم خالفهم؟ وإنما: كيف وظّف الإمام أدوات الفقه والسياسة الشرعية لبناء نظام قانوني يحقق الاستقرار ويحفظ المجتمع؟
بين فقه المعاملات وضرورات السياسة
إن هذه الوثيقة تكشف عن ملامح مدرسة في الحكم تقوم على الجمع بين احترام الحقوق الخاصة وحماية المصلحة العامة.
فالإمام لم يسمح بأن يصبح تغيير النظام السياسي سببًا لإهدار المعاملات المستقرة، وفي الوقت نفسه لم يتخل عن القواعد العامة التي قامت عليها دولته. وبذلك استطاع أن يحقق توازنًا دقيقًا بين استقرار المعاملات وبين متطلبات النظام العام.
ولعل هذا هو جوهر السياسة الشرعية؛ إذ ليست مهمتها تجاوز أحكام الفقه، وإنما تنزيلها على الواقع بما يحقق مقاصدها، ويوازن بين المصالح، ويمنع الفوضى والاضطراب.
خاتمة
إن القيمة الحقيقية لهذا القضاء لا تكمن في النتيجة التي انتهى إليها، وإنما في المنهج الذي صدر عنه. فهو يكشف عن قائد قرأ الواقع قبل أن يصدر الحكم، وأعمل قاعدة عامة سبق أن قررتها الدولة، ثم طبقها على واقعة جزئية دون أن يسمح بتحويل القضاء إلى وسيلة لإعادة إنتاج خصومات الماضي.
ومن ثم فإن هذه الوثيقة تستحق أن تُقرأ بوصفها إحدى الوثائق المؤسسة للفكر القانوني في الدولة المهدية، لأنها تعكس وعيًا مبكرًا بأن استقرار الدولة لا يتحقق بإلغاء كل ما سبقها، ولا بالإبقاء عليه كله، وإنما بالتمييز بين ما يجب تثبيته حفاظًا على الأمن القانوني والاستقرار الاجتماعي، وما ينبغي إخضاعه للقواعد التي يقوم عليها النظام الجديد.
ولعل هذا هو المعنى العميق الذي يجمع بين فقه المعاملات وضرورات السياسة؛ فالأول يحفظ حقوق الأفراد، والثانية تصون مصالح الجماعة، والقيادة الراشدة هي التي تنجح في إقامة التوازن بينهما.




التعليقات (0)
جاري التحميل...