أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
في المقال السابق، ذكرت أن الشعب السوداني ليس بحاجة لمنتصر، بل لوقف الحرب والأمن. وتعدُّ التجربة السياسية السودانية في مجملها نموذجًا مركّبًا للشمولية والرجعية المسلحة الانقلابية والقبلية، حيث تتداخل فيها السلطة العسكرية مع النخب الاقتصادية والدينية والقبلية والإعلامية، لتشكّل منظومةً تعيد إنتاج السيطرة على المجتمع والدولة. هذه الشمولية لا تقوم على القمع وحده، بل على بناء وعي زائف يجعل الجماهير تتقبّل السلطة وتدافع عنها أحيانًا، بالرغم مما تعانيه من فقر وتهميش وانعدام عدالة. ما عدا فترات ديمقراطية قصيرة لم تُترك لتنضج التجربة ويخرج البلد من الأبوية ودكتاتورية الزعيم الفرد.
رابعًا: شيطنة البدائل السياسية:
لا تكتمل الشمولية دون السيطرة على المجال الرمزي: "الإعلام، التعليم، الخطاب الديني والنقابات". حيث جرى تشويه البدائل السياسية عبر تصوير الأحزاب المدنية كعملاء للخارج. وصف الحركات الشبابية بأنها فوضوية، وشيطنة النقابات المستقلة واتهامها بتخريب الاقتصاد، واعتبار أي مشروع ديمقراطي كتهديد للاستقرار.
ففي ندوة حمدوك الأخيرة في واشنطن وقفن بعض السيدات، خمسة سادسهم وسابعهم رجلان أقل من أصابع اليدين، يهددن الداخلين للندوة كخونة وعملاء للأمارات والدعم، فقد اكتسبن وعيًا زائفًا وأنه مجرد حضور ندوة للحوار لأنهم يختلفون مع حمدوك ووفده فكل الحاضرين خونة، وهذا في حدِّ ذاته عمل غير ديمقراطي. فكيف سمحن لأنفسهن بأنهن حارسات الوطن والوطنية في أغرب مفارقة. وقد دخلن في طاعة البرهان وشموليته، ولأن السلطة البرهانية الانقلابية أغلقت المجال السياسي أمام أي منافس، وتُقدّم نفسها كخيارٍ وحيد، بينما تُحرم الجماهير من رؤية بدائل واقعية، ويُعاد إنتاج الطاعة بوصفها الخيار العقلاني الوحيد. فهؤلاء النسوة ومثقفون كثر دون ذكر أسماء دخلوا في بيت الطاعة "البرهاني" و"الدقلوي".
خامسًا: المسار القادم كيف ننتقل من تشخيص الشمولية إلى تفكيكها؟
بعد تحليل آليات الشمولية، يصبح السؤال المركزي الذي يخرج عنقه كعنقاء أو ثعبان، ماذا نفعل؟
كيف يمكن للمجتمع السوداني أن ينتقل من حالة الوعي الزائف إلى وعي نقدي قادر على إنتاج مشروع سياسي بديل بدل الطاعة العمياء لشمولية البرهان وحميدتي ومناوي وجبريل والبراء ولمن يرفع بندقية.
في تصوري يتمثل المسار القادم في أربعة محاور مترابطة:
١. استعادة تعريف المصلحة العامة عبر مشروع وطني جديد، لا يمكن مواجهة الشمولية دون إعادة بناء مفهوم "المصلحة العامة" من منظور شعبي لا سلطوي، وعند السلطة تعني الصالح العام والإحالة والسيطرة وهذا يتطلب:
• صياغة خطاب مدني يربط المصلحة العامة بالعدالة، لا بالاستقرار القسري العسكري السلطوي.
• إعادة تعريف الوطنية بوصفها مشاركة لا طاعة، وحقوق لا شعارات.
• تفكيك احتكار السلطة لمعنى الوطن عبر إنتاج سرديات بديلة تُظهر أن حماية الوطن تبدأ بحماية المواطن. بهذا، يُستعاد المجال الرمزي الذي صادرته السلطة.
٢. تحويل الفقر من شيء طبيعي إلى قضية سياسية:
الفقر ليس أمرًا محتومًا، بل نتيجة سياسات. والآن السودان مقبل على مجاعة وثورة الجياع قادمة نتيجة للحرب والفساد الاقتصادي. وهذا يتطلب:
• كشف العلاقة بين الفقر والقرارات الاقتصادية التي اتخذتها النخب الحاكمة.
• تحويل النقاش من أسباب فردية للفقر إلى بنية اقتصادية غير عادلة.
• بناء خطاب يربط العدالة الاجتماعية بالتحرر السياسي.
بهذا، يتحول الفقر من حالة صامتة إلى قضية عامة تُطالب بإصلاح جذري.
٣. إعادة وضع المؤسسة العسكرية داخل حدود الدولة المدنية. ليس الهدف إقصاء الجيش، بل إعادته إلى وظيفته الطبيعية أي حماية الحدود لا حكم الشعب. وهذا يتطلب:
• تفكيك خطاب الجيش هو الوطن أو بالأحرى قادة الجيش، فهم مجرد طلاب سلطة.
• بناء سردية تُظهر أن عسكرة السياسة تُضعف الجيش نفسه.
• تعزيز مفهوم الدولة المدنية بوصفها دولة مؤسسات لا دولة أفراد أو جنرالات.
• دعم مبادرات إصلاح القطاع الأمني وربطها بالرقابة المدنية.
بهذا، يُعاد الجيش إلى مكانه الطبيعي داخل الدولة، لا فوقها.
٤. فتح المجال السياسي عبر كسر احتكار الإعلام والتعليم، والخدمة المدنية، والعسكرية، والأمنية.
لا يمكن بناء بديل سياسي دون فضاء عام حر. وهذا يتطلب:
• دعم الإعلام المستقل القادر على كشف الفساد وتفكيك الوعي الزائف.
• إصلاح المناهج التعليمية والتثقيف لتشجيع التفكير النقدي لا الطاعة العمياء.
• تمكين النقابات والاتحادات المهنية بوصفها أدوات مقاومة للهيمنة.
• بناء منصات شبابية تُعيد تعريف السياسة كعمل جماعي لا نخبوية مغلقة. ويُفتح المجال العام أمام بدائل سياسية حقيقية.
الشمولية الرجعية المسلحة العسكرية والقبلية في السودان ليست حتمية، بل منظومة يمكن تفكيكها عبر مشروع وطني جديد وعقد اجتماعي شرعي يعيد تعريف المصلحة العامة، يربط الفقر بالسياسة، يعيد الجيش إلى مكانه الطبيعي، ويفتح المجال السياسي أمام بدائل حقيقية. هذا المسار ليس نظريًا، بل عمليًا، ويحتاج إلى وعي نقدي وتنظيم اجتماعي وإرادة سياسية قادرة على تحويل التشخيص إلى تغيير، فهل ننجح ونهزم عسكرة و"ملشنة" السياسة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...