أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
في المقال السابق، ذكرت أن الشعب السوداني ليس بحاجة لمنتصر، بل لوقف الحرب والأمن. وتعدُّ التجربة السياسية السودانية في مجملها نموذجًا مركّبًا للشمولية والرجعية المسلحة الانقلابية والقبلية، حيث تتداخل فيها السلطة العسكرية مع النخب الاقتصادية والدينية والقبلية والإعلامية، لتشكّل منظومةً تعيد إنتاج السيطرة على المجتمع والدولة. هذه الشمولية لا تقوم على القمع وحده، بل على بناء وعي زائف يجعل الجماهير تتقبّل السلطة وتدافع عنها أحيانًا، بالرغم مما تعانيه من فقر وتهميش وانعدام عدالة. ما عدا فترات ديمقراطية قصيرة لم تُترك لتنضج التجربة ويخرج البلد من الأبوية ودكتاتورية الزعيم الفرد.
أولًا: الأنظمة الشمولية تُهندس الوعي، وتعيد تعريف الوطنية، وتُطبع الفقر تجعله شيئًا عاديًا وحتميًا، وتُشيطن البدائل السياسية، وتُقدّس المؤسسة العسكرية، فتخلق واقعًا يبدو طبيعيًا بالرغم من أنه مُصنَّع بعناية. في بلدنا، جرى تفريغ مفهوم "المصلحة العامة" من محتواه الوطني لمفهوم "الصالح العام" غير الصالح، وإعادة تعبئته بما يخدم مصالح الطبقة الحاكمة، سواء كانت عسكرية أم حزبية أم اقتصادية. فالمشروعات الكبرى، والقرارات السياسية، والتحالفات الإقليمية والانقلابات والحرب، تُقدَّم دائمًا بوصفها "خيارات وطنية" بينما هي في الواقع تخدم شبكات النفوذ المسيطرة في شموليتها ودكتاتوريتها. فهي:
• تُقدّم سيطرة الجيش على الاقتصاد كضمانة للاستقرار.
• تُبرّر عسكرة السياسة بأنها حماية للوحدة الوطنية.
• تُصوّر أي مطالبات مدنية بأنها تهديد للأمن القومي.
بهذا، يصبح تعريف "الوطنية" حكرًا على السلطة، وتُقصى الجماهير من حقها في تحديد أولوياتها، ويُعاد تشكيل الحسّ العام بما يخدم مصالح النخب المسيطرة في ائتلافها مع العسكر، وخير نموذج المثقفون الذين يسبحون بحمد البرهان وحميدتي ونسوا وتناسوا وظيفة المثقف.
ثانيًا: تقديم الفقر واللامساواة كشيء طبيعي أو نتيجة تقصير فردي:
تُعدُّ صناعة الوعي حول الفقر أحد أهم أدوات الشمولية.
فقد جرى تقديم الفقر واللامساواة بوصفهما نتيجة "ظروف طبيعية" أو "ابتلاء" أو "تقصير فردي" أو نتيجة لعامل خارجي مثل موضوع الإمارات أنها السبب والعدو وليس نتيجة لسياسات اقتصادية منحازة أو فساد بنيوي نتيجة لانقلاب العسكر وفساد حكمهم. يُقال للفقير "اصبر، هذا طبيعي"، ويُقال للمهمّش اعمل أكثر ستنجح، بينما يتطاولون في البنيان المرصوص، ويخفون حقيقة أن الثروة مركّزة في يدِّ قلة مرتبطة بالسلطة العسكرية أو الحكم. بهذا الخطاب، تُعفى السلطة من مسؤوليتها، ويُحمَّل الفرد وحده عبء الفشل، بينما تُحجب الأسئلة حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد، ويُعاد إنتاج الفقر كحالة طبيعية لا كنتاجٍ سياسي لفساد الحكم.
ثالثًا: تجميل السلطة العسكرية بوصفها حامية للوطن:
العسكرة في السودان هي إيلاج الجيش في السياسة، وهي مشروع يهدف إلى جعل العسكر مركز الهوية الوطنية بمسنادة الإسلامويين، وهنا تكمن الخطورة. وفي أغلب النقاشات يقولون لك مثلًا البرهان كذا وكذا وحامي الحمى ويخلطون بين الحيش وبين قيادته الفاسدة المفسدة الانقلابية، ومثال ذلك عدد من المثقفين الذين كنا نحسبهم طليعيين وأصبحوا طالعين خلا الشمولية وأصبحوا مثقفين "خلا"، وتُقدَّم المؤسسة العسكرية كرمز للوحدة. وتُصوَّر كحائط الصد الأخير ضد الفوضى. وتُربط الوطنية بالطاعة والخنوع لهم. هذا الخطاب يجعل أي نقد للجيش يُفسَّر كخيانة، ويحوّل المؤسسة العسكرية إلى تابو مقدّس سياسي لا يجوز الاقتراب منه أو التصوير. وبذلك تُشرعن تدخلات الجيش في الاقتصاد والسياسة، وتُقمع الأصوات المدنية المطالبة بدولة القانون، ويُعاد إنتاج عسكرة الدولة بوصفها ضرورة وطنية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...